«يخاطب القيصر جليسه المختار أنطونيوس قائلا: دع من الرجال من هم خالو البال يتحلقون حولي، من هم مسطحو الرؤوس، وينامون في الليل جيدا!. أما كاسيوس هناك، فله نظرة باردة صارمة، إنه يفكر أكثر مما ينبغي: الناس خطرون!. إنه يقرأ كثيرا.. ولا يحب اللعب، إنه لا يسمع الموسيقى، مثلك يا انطونيوس، ويضحك نادرا!. مثل هؤلاء الرجال لا يملكون هدوءا أبدا».
كاسيوس العربي
في مستهل مقالة بعنوان ”الفكر العربي بين السلطة والثقافة“ استدعى المفكر السوري الراحل الطيب تيزيني (1934- 2019) هذا المشهد الدرامي من مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير. ثلاثة نماذج شكسبيرية، بدت له دقيقة وملائمة لرسم صورة كاسيوس العربي؛ بدأً من المساءلة الجدلية لسياقات الاضطراب الأيديولوجي التي رافقت تشكلها في الوضعيات التاريخية، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى مرحلة الحرب العالمية الثانية، وانتهاء باقتراح ما يوقف استمرار ظهورها؛ فوجود هذه النماذج، بتعليل تيزيني: ”دائم الحضور في المجتمعات التي تقوم أنظمتها السياسية وأيديولوجيتها النظرية على الاستغلال الاقتصادي، والاجتماعي والقهر السياسي“.
يعيش كاسيوس العربي: في عمله وفكره ووجوده حصارا من البحر والبر والجو. في المقابل يحظى انطونيوس بزخم الحضور. عند مفاصل هذه الوضعية المتفاقمة والمستمرة للمثقف العربي، تشابكت كتابات تيزيني. وبجدل يصل حد الانفعال أحيانا، وضع تشخيصه للأزمة البنيوية التي تخترق الفكر العربي المعاصر، الموصوف عنده مرارا وتكرارا، بـ“الوريث الشرعي لعصر الاخفاق النهضوي العربي“.
ليس”الإخفاق النهضوي“ محط إجماع نظري، آخرون يمجدون فكر النهضة كذكرى تنويرية… لكن مسوغات الإخفاق، و تراكماته، عند تيزيني تتلخص أولا؛ في فشل مهام النهضة العربية ثقافيا وصناعيا، في مقابل الاكتفاء بـ“الإصلاحية القنوعة أحيانا والساذجة أحيانا أخرى والمخفقة دائما“. وثانيا؛ في استمرارية تبعات هذا الفشل؛ فعوض تحديث البنية المجتمعية والثقافية بالتصادي بين الداخل والخارج، تفاوتت العلاقة بين الغرب والشرق، ولأن هذا الأخير توفرت في مجالاته قابلية الابتلاع يتم تصنيفه تابعا اقتصاديا وثقافيا للغرب الرأسمالي، أي خارج الدائرة الحضارية.
عزوف ثقافي
ماذا وراء النخبوية الثقافية المتعاظمة؟ يتساءل تيزيني، بصدد تشخيصه آفة ”العزوف المطرد عن الثقافة والتثقف وعن أداته الكبرى، الكتاب“. بدوره نبه منذ أواخر الثمانينات، إلى وضع خطير؛ فئات واسعة في المجال العربي لا تقرأ، مما ينذر في المستقبل بـ”نتائج مؤرقة داعية إلى التحسب“. ثلاثون عاما مضت على التنبيه، وما فتئ إحباط الماضي يُناوب قلق المستقبل، ليكون الوضع الذي يُفزعنا هو الأكثر وضوحا وقتامة في الآن نفسه.
كيف استقر التنبيه والفزع في استشراف الحالة عند المثقف العربي؟ يعود بنا تيزيني إلى السبعينات، لرصد الانقلاب الكبير الذي طرأ على التركيبة السكانية. ففي هذه الفترة، كما هو معروف، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في عدد من الأقطار العربية، وتلا التفكك الطبقي عزوف ثقافي أسفر عن تراجع دور الفئات الوسطى فيما يسميه تيزيني باللف على الحلول الجذرية ومنحها طابعا إصلاحيا. كان التقاء المفقَّرين الجدد ”بجموع الفقراء التقليديين“ بلا فائدة في تكوين نسيج اجتماعي متجانس ثقافيا وأيديولوجيا، تلا ذلك كله: ”تحول الكتاب والثقافة والتثقف إلى حلم متباعد باطراد“.
بحكم مرجعيته الجدلية، يكثر تيزيني، من تحليل العوامل الاقتصادية والاجتماعية وتأثيراتها على الانتاج الثقافي وتشكيل نمط مستهلكيه، ومن تم إحداث انعطاف كلي، بنيوي ووظيفي، أو عدم إحداثه، في مسار ومُنطلَق الفكر العربي المعاصر. بالنسبة لنا كقراء، يمكن أن ننساق دون جدل وراء الاستنتاج البديهي: أنه بسبب العزوف الثقافي، كان ولا يزال بالإمكان قراءة أعمال أدبية تظهر التصاقها بهموم الطبقة الفقيرة والمهمشة، ويستقبلها الأيديولوجيون والنقاد بحفاوة مبالغ فيها أحيانا، بينما لم تكن هذه الطبقة على صلة مباشرة بقراءتها في الغالب. هكذا نشأت علاقة حاسمة حتى لحظتنا الراهنة، وصفها تيزيني بالعلاقة الطردية، التي أدت، تلقائيا، إلى استفحال اللاتجانس الثقافي بين الفقراء التقليديين والمُفَقّرين الجدد، وعمدا، إلى إحكام القبضة على عملية الاستهلاك الثقافي في الأواسط الفقيرة والمُفقّرة. ماذا يترتب عن وضع متواصل كهذا؟!. توقع تيزيني، منذ السبعينات، صورة هي الأكثر إدراكا في أيامنا: ”سوف نواجه حالة جديدة متميزة من النخبوية الثقافية تتمثل بأنها نظرية نخبة النخبة الثقافية… سوف يجد الفعل الثقافي، مزيدا من الصعوبات لغياب التجانس الاجتماعي والثقافي الايديولوجي، ولضآلة الأدوات الثقافية المعرفية في أيديهم… لقد انتزع الكتاب من أيدي من هم بحاجة ماسة إليه للاستئناس به والتعلم منه في عملية إدراك آلية التحولات الجديدة في المجتمع العربي.. على نحو مركز نواجه ظاهرة العزوف الثقافي؛ العزوف عن القراءة والكتاب، عن العمل الثقافي عموما“.
ثمار عجفاء!
أصبح اللاتجانس الاجتماعي والايديولوجي، مؤذيا على مستويين متوازيين: يمتد الأول في إعاقة ديناميات التنوير والمشاركة الفعالة والمنتجة. والثاني في تعميق أزمة الفكر العربي المعاصر وعجزه أمام الإشكاليات المجتمعية. لقد سبقت الإشارة بأن ”الإخفاق النهضوي“ ليس محط إجماع نظري، مسوغ آخر عند تيزيني، في تسليمه بحالة الإخفاق، يتمثل، في كون الثقافة الجامعية استحالت إلى عبء إشكالي على الفكر العربي المعاصر، وبرهانه في هذا الحكم أن: "الجامعة كمؤسسة علمية لم تنشأ، في العالم العربي، ضمن عملية من التطور الاقتصادي والصناعي والزراعي، وإنما أتت استجابة للمطامح التنويرية، التي حملتها فصائل الفئات الوسطى، تلك المطامح التي ظلت قابعة بين أسوار الجامعات، دون أن تتاح لها إمكانية التلاحم بمشكلات المجتمع العربي…“.
لكن تيزيني، وإن كان يرصع إطار المرآة؛ لتكتشف الطبقة الوسطى نفسها بافتخار كثمرة للمؤسسات الجامعية، فإنه في المقابل يقر بأن: التعليم الجامعي والبحث العلمي، لم ينموا في مجتمع يجعل منهما شريانا أساسيا له، مما أبقى مؤسسة الجامعة، منذ أواخر القرن التاسع عشر على الأقل، في حالة من العجز والارتباك الفكريين، تعاظمت مع فساد البرجوازية الاقتصادية العربية، وتخلفها في إنجاز مهمات التصنيع والزراعة الممكننة. فعندما تغيب الحوافز الاجتماعية والاقتصادية للبحث العلمي، وفي مجتمع منقطعة فيه صلاتهما، يخلص تيزيني إلى أن الجامعة والبحث العلمي يتحولا إلى ناد ثقافي نخبوي تحكمه: ”تلال وسدود تتم باسم التنمية والتطور، تجعله يدور على نفسه ضمن آفاق مستقبلية مضطربة، إن لم تكن مستنفذة..“. وإننا نجد الأمر الحاسم والمثير هنا، يستمد راهنيته، عند تيزيني، من اعتبار النقاش حول الثقافة الجامعية العربية ليس نافلة هامشية ضمن مجرى الفكر العربي المعاصر؛ ذلك أن الثقافة الجامعية في تقديره: مصدر متجدد من مصادر التكوين الثقافي والأيديولوجي في المؤسسات والمنظمات والأحزاب، والتي يمارس أعضاؤها من المثقفين والطلبة والأساتذة دورا ملحوظا مباشرا وغير مباشر في صوغ الوعي الثقافي العام، مادام: الطلبة والأساتذة لا يفتقدون القدرة على بناء الشخصية العصرية المبدعة الفاعلة بعيدا عن المنطق السائد وهم ”الأستاذية المعصومة" و“الطالبية القاصرة“.
ليس الحديث حول الثقافة الجامعية العربية نافلة هامشية، ومع ذلك فإن تيزيني، يعترف بتعذر هذا النقاش في ”غياب العلاقة بين الجامعات العربية والإنتاج الاجتماعي الاقتصادي، واضطراب الآفاق المستقبلية بالنسبة للخريجين“. إنه الوجه الآخر لمستقبل كاسيوس العربي! فما علينا إلا أن نتأمل الواقع حتى نرى كيف ينزع افتقاد العلاقة بين الفكر والواقع الغطاء عن ”الانتهازية العلمية والسياسية والاجتماعية“ التي تتربص به. أمام هذا المشهد، وما أن نضع في الحسبان: أن خريجي الجامعات يكونون النواة المستقبلية للمؤسسات التعليمية والثقافية، حتى ”نلاحظ أن هؤلاء يجدون مهمتهم في إنتاج البؤس الثقافي وفي إعادة إنتاجه وتعميمه“، وما دام الحال على هذا النحو، فإننا سنحصد ثمارا عجفاء، كما أن سمات الفكر العربي النهضوي المخفق، من وجهة نظر تيزيني، "يمكن أن تجد في الجامعات العربية مرتعا خصبا“.
في وقتنا الحاضر، هل يدعي كاسيوس العربي، أنه حبيس هذا الإخفاق؟ هل شكواه بمثابة صور ليلية تجلبها كوابيسه!. إن مثقف اليوم لا يتظاهر حين يبدو حزينا ووحيدا، وإنه كذلك بما يكفي، ليجد في كتابات تيزيني الصورة المرآوية لبطاقة تعريفه.
