العلماء والمفكّرون في الحقل التجريبي يحلّون محلّ المثقفين التقليديين. في عام 1991 كتب جون بروكمان مقالة بعنوان (الثقافة الثالثة) طرح فيها فرضية حصول هذا التغيُّر، وذلك لكون المثقفين التقليديين لا يبلغون شأوَ العلماء التجريبيين في تفسير الحياة وإعادة تعريف الوجود على الأرض وأشكال استمراره. سيعاود جون بروكمان التذكير بهذه الفرضية في مقدمة كتاب حرّره بمعيّة جماعة من العلماء ونُشِرَ عام 2002 تحت عنوان «الخمسون سنة المقبلة.. مستقبل العلوم خلال النصف الأول من القرن 21». سبع سنوات بعد ذلك قامت فاطمة غنيم بترجمة الكتاب وصدر عن هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة).
شارك في الكتاب 25 عالماً، وتضمّن مقالات نُشِرَتْ لأول مرة، تناولت التطوّرات التي غيّرت حياة الناس على الكوكب. فكان لصدوره صدى ملحوظاً، خاصة أنه نُشِرَ في خضم التغطيات الصحافية التي كانت تتطرّق لصيحة الأبحاث المتعلّقة بـ«الخلايا الجذعية، الاستنساخ، سَلْسَلة الجينوم البشري، الذكاء الاصطناعي، علم الأحياء الفلكية والحوسبة الكمية».
الثقافة الثالثة
على الأقلّ بالنسبة لنا كقرّاء، فإنه عادة ما تتصف الكتب العلمية، المستشرفة للمستقبل على وجه التحديد، بنوع من التسلية الجماهيرية. لكن جون بروكمان، وهو ينتبه لما قد يكون عليه مصير الكتاب منذ الوهلة الأولى، يكتب موجها القرّاء: «في هذه الثقافة، و(يقصد الثقافة الثالثة) وفي هذا الكتاب، العلماء لا يكتبون تبسيطات هدفها الأوحد تسلية الجمهور، بل يكتبون لأقرانهم في فروع العلم الأخرى، ويشركونهم في المناظرات التي نشهدها في يومنا هذا».
قبل حوالي عقد من الزمن تساءل بروكمان في مستهل الكتاب: «كيف ستغير الإنجازات العلمية على مدى نصف القرن المقبل عالمنا؟... ما التطوّرات التي يمكننا توقعها في كل مجال أو علم مُعيّن، وكيف يمكنها أن تؤثر في فروع العلم الأخرى، وتسمو فوقها؟. وثمة ما يجعل حِدّة السؤال أكثر مما كانت عليه عند العلماء القدامى؛ فما أن نتأمل راهن العلوم والتكنولوجيا الحديثة، حتى يتجلّى لنا التسارّع الجذري في تفاقم سلطة الأدوات والتقنيات بشكل أفضى إلى الطفرة الشاملة في أسلوب الحياة.
يضعنا اقتباس بروكمان من محاضرة ألقاها عالِم الأحياء في أكسفورد جيه. زد. يانغ بهيئة الإذاعة البريطانية سنة 1951 جاء فيها: «نصير إلى تلك الأدوات»، أمام طرح نفس السؤال: فهل الحاجة كما كانت ملحة هي اليوم أكثر إلحاحاً بشأن ما كنا نفتقر إليه حتى وقت قريب؛ أي، كما كتب بروكمان، الحاجة إلى «ثقافة فكرية قادرة على تحويل فرضياتها بالسرعة نفسها التي تحوّلنا بها تكنولوجياتنا»؟ وهل الخمسون سنة المقبلة، وقد نقص منها ما نقص منذ تساؤلات بروكمان، هي جزء من هذه البداية؟ والحال أن التصادم بين المذهب التجريبي ونظرية المعرفة يرغم على «إعادة النظر في طبائعنا ونوع العالم الذي نعيش فيه».
الكمبيوتر الكمّي
تحت عنوان (مستقبل طبيعة الكون) كتب عالم الفزياء النظرية لي سمولين، وهو عضو مؤسس وباحث بمعهد بيريميتر (PERIMETER INSTITUTE) لعلوم الفيزياء النظرية في ووترلو بولاية أونتاريو، كتب مقالة يذكر فيها سبعة أسئلة مفتوحة في الفيزياء الأساسية وعلم الكونيات. ما يهمنا هنا السؤال الذي وضعه على رأس القائمة؛ والسؤال مطروح بالصيغة التالية:هل نظرية الكمّ بصيغتها الحالية صحيحة أم أنها تحتاج إلى تعديل، إما ليكون لها تفسير فيزيائي منطقي، وإما لتوحيدها مع النسبية وعلم الكونيات؟
كجواب مفترض عن هذا السؤال، يظن مؤلف «حياة الكون» و«ثلاثة طرق إلى الجاذبية الكمّيّة» أنه بحلول منتصف القرن الـ21 سيتم التعامل مع نظرية الكمّ بمنطق آخر، وكان تشكُّل هذا التوقّع قد بدأ مع مطلع القرن، حيث كان يجري تطوير طرق جديدة «تبشر بتوسع النظام الذي اختبرت فيه نظرية الكمّ تجريبياً، وهي طرق متصلة في المقام الأول بتطوير الكمبيوترات الكمية (عبارة عن أجهزة عيانية (MACROSCOPIC) تستخدم التأثيرات الكميّة من قبيل التراكب والتشابك لإجراء تحسيبات (COMPUTATION) يستحيل إجراؤها على الكمبيوترات العادية). فالكمبيوتر الكمّي يتطلّب هذه التأثيرات التي تَمّ رصدها حتى الآن للعمل على الأنظمة العيانية مثل دوائر الكمبيوتر، بحيث يمكن لهذه الأجهزة اختبار تنبؤات الكمّ التي تختلف اختلافاً شديداً عن النظرية الكلاسيكية».
يخلص سمولين في مقالته: «ولأنه ثبت أن الكمبيوترات الكمية يمكنها حلّ كافة الرموز المستخدمة الآن من قبل الحكومات والجيوش والشركات، فقد تَمّ توجيه كثير من المال إلى الحوسبة الكمية. إذن يمكننا أن نفترض، باطمئنان، أنه مادامت ميكانيكا الكمّ صحيحة عند استقرائها على النظم العيانية، فسوف تكون هناك كمبيوترات كمّيّة بعد 50 سنة، بل ويرجح أيضاً أن تكون هناك أجهزة اتصال كمّيّة تستخدم حالات الكمّ الممتدة حول العالم. وإذا كانت نظرية الكمّ الحالية مجرد تقريب لنظرية أعمق، فإن التجارب على الكمبيوترات الكمّيّة سوف تكشف هذا على الأرجح. إذ فمن المنطقي أن نخلص إلى أنه بعد خمسين سنة من الآن، سوف نعرف الإجابة عن السؤال الأول».
ظِلّ الثقافة
«وصلنا إلى محطة ثقافية أخرى.. بالنظر إلى انتقال القرن السابع عشر غير المتوقّع إلى العصر الحديث، الذي بدأنا نخرج منه الآن وندخل حقبة ثقافية أخرى...» تبدو القضية العلمية ثقافية بامتياز، فبرايان جودوين، يكتب الاقتباس الآنف مسمياً مقالته الاستشرافية بعنوان «في ظِلّ الثقافة». في نظر عالم الأحياء ومؤلف «التنظيم الزمني في الخلايا»، فإن ما يبرز بوضوح اليوم هو التحالف القوي بين العلم والتكنولوجيا والأعمال، وهو تحالف أسفر عن ثقافة عالمية تستند مبادئها الرئيسية إلى التنبؤ والسيطرة والابتكار والتوسع. ومرتكز هذه المبادئ عند جودوين يتجسّد في «العقلانية والقوة اللتين دافع عنهما فرانسيس بيكون باعتبارهما السبيل إلى فهم الطبيعة، واستخدام تلك المعرفة لتحرير الإنسانية من الرق». هذا التحالف، بوصفه استراتيجية حقّق نجاحاً غير مسبوق، يستشهد به جودوين ليضعنا أمام إنجازاته الواقعية: «أصبحنا بالفعل نملك وسائل تحرير البشر من الجوع والفقر، بتوليد الثروة والسلع، وهو ما تحقّق من خلال تطبيق المعرفة العلمية، وتوسيع القاطرة التي تقود الرأسمالية». وعلى الرغم من ذلك، يُقرّ صاحب «علامات الحياة: كيف يعمّ التعقيد الأحياء» بكون الأشياء لم تمضِ، تماماً، كما كان متوقعاً لها، بدليل بقاء جزء كبير ومتزايد من سكان العالم تحت عتبة الفقر، كما أن الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية والبر والبحر والجو والأنواع البيولوجية تعاني من التدمير والتلوث والانقراض بما يؤثر على جوانب الحياة كافة على الكوكب، ومن جهة أخرى «فإن قدرة الدول على حماية مواطنيها تتدهور مع صعود المؤسسات العابرة للجنسيات التي تفرض تجارة عالمية غير منظمة في السلع والخدمات». في إعادة تشكيله لمركز الخلل، يؤكد فبرايان جودوين في ختام مقالته، بأن ما حصل وساعد في تفاقمه، مرده إلى الظروف التي أوجدها التوسع غير العادي لتكنولوجيا المعلومات في عصرنا، حيث أمكن «للقرارات الخاصة بالاستثمار وحركة رأس المال أن تزعزع أسواقاً، بل وتقضي على حكومات»، وبنفس القدر عند جودوين فقد ساهمت تلك الظروف في «انتشار الفوضى السياسية، التي يبدو فيها الحوار التقليدي عاجزاً عن تحقيق الاستقرار والأمن، وهما هبة الحداثة التي وهبتنا إياها العلوم والتكنولوجيا في المقام الأول. لقد انزلقنا، على خلاف المتوقع، إلى هوّة عصر مظلم أشدّ خطورة بكثير من حرب الثلاثين سنة؛ لأن التفسُّخ الآن صار عالمياً».
عقول يمكن استبدالها!
اقترح مارك دي. هاوزر، وهو عالم مُتخصّص في علم الأعصاب الإدراكي، جامعة هارفارد، وذلك بصدد توضيحه لموضوع «عقول يمكن استبدالها»، إمكانية إجراء تجربة فكرية تستند إلى النتائج المذهلة في علوم الأعصاب، وتحديداً إلى أبحاث اختصاصي علم الأحياء العصبي ميجيل نيكوليليس، الذي «تمكّن من تسجيل وتفريغ الشحنات الكهربائية لمئات الخلايا العصبية من مخ نسناس البوم، وقام باستخدام الإشارة في تحريك ذراع روبوت». في نظر هاوزر، قد يبدو هذا شيئاً يخصّ تصنيع الآلات دون غيرها، ولكنه، وعلى عكس الانطباع الأول، حاول إثبات العكس ما دام بالإمكان أن «يظهر أننا نستطيع في مرحلة ما إدراك الشفرة العصبية وفهم كيفية تأثيرها في السلوك». يدعونا في هذا الحالة إلى تخيل إمكانية «تنزيل إشارات الخلايا العصبية من أي حيوان، وإنشاء ما يشبه مكتبة على قرص صلب، تحتوي على أفكارها أثناء تفاعلها مع العالم». وعبر هذه التجربة افترض هاوزر إمكانية «قراءة تفكير الحيوان وهو يأكل، وينام، وينظف نفسه، ويمارس الجنس، ويتواصل مع الآخرين، وأن يكون لدينا، في مرحلة معينة، فهم عميق لما يكون عليه حالنا لو كان مكان هذ الحيوان، وقتها سنكون بشراً متلصصين. بل وربما نتمكن من ضبط موجاتنا المخية على موجات الحيوانات المخية، وبذلك نعيش نوعاً غير مسبوق من التناغم بين الأنواع، ومن الواضح أن هذا أقصى ما في ألعاب الواقع الافتراضي».
في غضون السنوات الخمسين المقبلة، يستشرف هاوزر، انطلاقاً من هذه التجارب التي وصفها بالفكرية والرائعة، بكون التكنولوجيا اللازمة ستكون متوافرة لتطبيق تجربة نيكوليليس على دماغ إنسان، لكنه في المقابل أَقرّ بعدم رغبة أحد باستخدامها بمثل الطريقة الخيالية التي وصفها. تكمن الإثارة في هذا «في مقدار ما سنتعلمه عن المخ، وأقصد المخ البشري ومخ المخلوقات المفكرة الأخرى». مع نيكوليليس ثم هاوزر وهو يستلهم تجربة الأول يتضح بشكل لا معقول كيف تنطلق بنا تكنولوجياتنا إلى عوالم مجهولة قد تترتب عنها «عواقب أخلاقية غير واضحة». في نهاية تخيله العلمي يتساءل هاوزر «إذا استبدلنا بعض أجزاء المخ، أو فعلنا عمل الجينات أو أبطلناه، فمَنْ سيكون مسؤولاً عن العواقب؟ العالِم؟ الطبيب؟ الحيوان الذي اُستخدِمَ جزءٌ منه ليتمتع إنسان ما بحياة أفضل؟ وإذا تمّت الموافقة على أبحاث الخلايا الجذعية، وأمكن زرع مختلف أجزاء المخ، فهل ينبغي أن يتمكّن أي إنسان من إجراء عملية استبدال؟ إذا ما أُريد للعلم أن يستفيد من الطاقة الإبداعية للمساهمين فيه، فلابد أن يدعم المناخ الفكري عمليات الاستكشاف الراديكالية، بل والخطيرة، ولكن يجب أن يدرك العلماء أيضاً العواقب الأخلاقية المحتملة لأفعالهم، وهذه تتضمن دراسات على غير البشر».
إن الصواب والخطأ، يوضح هاوزر مستحضراً ما أورده جورج برنارد شو في مسرحيته (الرائد باربارا)، «حيّر جميع الفلاسفة، وأربك جميع المحامين، وشوّش جميع رجال الأعمال، ودمّر معظم الفنانين، وكان بإمكانه أن يضيف العلماء الذي يجب عليهم الاستمرار في النضال في سبيل التمييز بين ما هو كائن في نتائجهم، وما ينبغي في استنتاجاتهم».

