2020/05/21

عبد الفتاح كيليطو: من نبحث عنه بعيدا يقطن قربنا

(اهتديتُ إلى طريقي مرّةً أخرى نحو الليالي، وتحديدا نحو تقنيةِ الإدراج، حكاياتٌ يتمّ تعليقها لفسح المكان لأخرى تتعرّض بدورها للتّعليق. أن تضلّ الطريقَ، أن تَتبيّنَ ذلك في لحظةٍ أو في أخرى، أن تأخذَ على نفسكَ العودةَ على عَقِبَيكْ، أن تَسْلُكَ الطّريق في الاتّجاه المعاكسِ، أن تَتُوهَ، أن تُجدِّد الصّلة بذاتك…)”من نبحث عنه بعيدا، يقطن قُربنا“ (توبقال 2019، ترجمة: إسماعيل أزيات)، كتاب جديد لعبد الفتاح كيليطو أهداه إلى أبي بكر الشرايبي، الذي أشرف على الكتاب الجماعي (بالفرنسية) ”ألف ليلة وليلة والتقاسم“. يحتوي كتاب كيليطو على عشر مقالات، هي على التوالي: (شهرزاد الأولى، حلم ليلة في بغداد، أوجيني والحالمان، في الحياة وفي الممات، الليالي والقدري، لا أحد هذا هو اسمي.. من أُودِيسْيُوسْ إلى السندباد، السفرة ما قبل الأخيرة، الشجرة التي في وسط الجنة، بأية لغة سيكون عَلَيّ أن أموت؟، الكتاب الذي كانوا يتَمنّون كتابتَه).
كتاب على غِرار مؤلفاته المتداخلة وغير المنفصلة. هل يُؤلف كيليطو كُتبَه على هذا النحو؟ يعيد تشكيلَ ما ألفه من قبل، بطريقة تشبه إعادة التوزيع الموسيقي. بهذا الوصف والافتراض معا، نتخيل عبد الفتاح كيليطو، المقتنع تماما، بمقولةِ ابن عبده ربه: اختيارُ الكلامِ أصعبُ من تأليفه“ نتخيله في هيأة ابن سُريج المكّي الذين كان: ”يلبس عند صياغته اللحنَ ثوبا، قد علّق فيه جلاجلَ قريبةَ المطابقةِ من صَوته، ثم يترنّم باللحن الذي صاغه، ويحرك أكتافَه وجِسمهُ على الإيقاع الذي يُريدُه، حتى إذا سَاوى في سمعهِ زمانَ ما بين النّغم الذي يترنم بها، زمانَ ما بين الحركاتِ التي يَتحرّكها، تَمّت حينئذٍ صياغة اللحن الذي قَصَده فيغني به بعد ذلك” (كتاب الموسيقى الكبير/ الفرابي).
يَستهل كيليطو الكتاب بعتبةٍ يقتبسها من كافكا، أحدُ كُتّابِه المفضّلين: ”في معظم الأوقات، من نبحث عنه بعيدا، يقطن قربنا. يعود ذلك؛ لكوننا لا نعرف شيئا عن هذا الجارِ المبحوثِ عَنه. وبالفعل، فإننا لا نعلم أننا نبحث عنه، ولا كونه يقطن قُرْبنا، وفي هذه الحالة، يُمكننا أن نَكون على أتَمِّ اليقين أنّه يقطن قُربنا“.. لا يبالغ قائل بأنه اقتباس يلخص الكتاب كُلّهْ!
نجد صدى هذه العتبة المركزية في كتاب سابق، هو ”حصان نيتشه“؛ حيث يَفْتَتِح كيليطو خصومةَ الصور بمقولة إليوت: ”لن نَكُفَّ عن استكشافنا وخاتمة سعينا، ستكون أن نَبْلُغ إلى من حيث انطلقنا، وأن نعرف المكان للمرة الأولى“؛ لماذا يعيد كيليطو هذا الصدى، بشكل موسع، بل ويكاد الكتاب كلُّه ابنا لهذه العتبة!
شهرزاد، شهريار، السندباد، قِصَصُ الأنبياء، جُوته، بُولوقيا، بورخيس، دانتي، جِلجامش، شكسبير، بالزاك، وعبد الفتاح كيليطو نفسُه.. ومعمار الكتاب منعرجاتٌ ومنعطفاتٌ، حكاياتٌ ملتويةٌ ومقيدةٌ بالنّقص، حكايةٌ واحدةٌ بألف حقيقةْ!.. هل حقاً يمكن تعريف الأدب كالآتي: ما هو إلا تنويعاتٌ على حكاياتٍ قِيلت من قبل. وفي حالة كيليطو، نحن أمام أصل الحكايات، كتابُ الليالي.
افتحاص الحكاية بأسلوب التحقيق، ولعبةُ مُقارناتٍ أدبيةٍ لا نهائية ومضللة، تجعل قارئ كيليطو، ليس في هذا الكتاب فقط، وإنما في مُجْمَل مؤلفاتِهِ، تائها في عالم من التأويلات. وَبِفن الاستطراد، يَنتقلُ بين حكايةٍ وأخرى في سياقات ٍمُتفاوتة في الزَّمانِ والمكانْ. هكذا يهتم كيلطو، كالمُتحرِّي، بالجانبِ الناقصِ من الحكاية؛ يُقارنُ بين الترجماتِ مُسْتحضِرا مَصادِرها، ومُولدًا احتمالاتِه الخاصة، من الْتقاء الاختلاف والتصادم والنقصْ… وإن كان يُنبهنا أحيانا، بأنه من العَبث أن نَسعى إلى أن نكون أكثرَ حِذقا منَ الحِكايةْ“.
تُواجِهُنا، ونحن بصدد قراءةِ هذا الكتاب، إشاراتٌ تَتَعلّقُ بمصدر الحكايةْ، بعبارةٍ أُخرى: من يَرْوِيها؟ من يَكتبُها؟ وَمن يُتَرْجِمُها، ثُمّ، وهذا هو الأهمّ: من يَقرأُها؟
إِذا كان كيليطو يبحث عن شيء ضائع في الحكاية، كما قلنا، كذلك تَحْقِيقُهُ في تَعَدُّدِ ترجماتِ الحكايةِ الواحدةْ. نَحن إذن؛ أمام ضَياعِ الحقيقةِ، أو جُزء منها، على الأقلّ، وهذا كافٍ لِحُدوثِ الالتباسِ والارتيابْ.
لَيْسَ هَمُّ كيليطو، على ما يبدو، التّنْقيبُ في أصلِ الحكايةِ، أو هُوِيَّةِ الرواة. ”مَنْ نَبحثُ عنهُ بَعيدًا يَقْطُنُ قُرْبَنا“ كتابٌ يُعْنى فِي جزءٍ كبيرٍ مِنهُ بِمسأَلةِ التّرْجَمةْ. في «حكايةِ إفلاسِ رجلٍ مِن بَغداد» يُثير انتباهَنا إلى تَغَيُّرِ العنوانِ بِحَسَبِ المترْجِمين، كلّ واحدٍ مِنهم في نظرِ كِيليطو اشْتغل ضدّ سابِقه، بَذَلَ جُهْده لابتداعِ عُنوانٍ جَديدٍ، مُؤشّرا بذلك على هذا العُنصرِ أو ذاكَ من الحكايةْ.
مَرّة أخرى، وفي خُصومةِ الصّورْ، من حصانِ نِيتْشْه: نَعثُر على اعترافِ كيليطو بهذه الرّغبة، التي لمْ يَسْتَثْني نفْسَهُ منها: حِينَما أقرأ مَحْكِيًا، يَحدُثُ أن أقول لِنفسي أمامَ مَقطعٍ: قد عِشْتُ هذا المشهدَ، وأَحْسَسْتُ بهذه العاطفةْ، ويتكَوَّن عندي انطباعٌ بأنَّ ما أقرأهُ قد كُتِب لي خصوصًا، بلْ يحدثُ أن أقولَ لنفسي بكل سذاجةْ: "كان بِمقدوري أن أكتبَ هذا الفَصْلَ، وهذا الكتابْ". وفي حالٍ قُصْوى، أكادُ أَحْقِدُ على المُؤلَّفِ لأنه قدِ اختلس شَذْرةً مِن ذاتِي، وسَلبنِي إِيَّاها! سيسعدني أن يصادف القارئ نفسه في هذا النثر السردي، أن يتوجه إليه بإحساسِ أنه كان بإمكانه أن يكتبه، ويقرأه كما لو كان هو نفسه قد كتبه“.
ها نحن أمام دعوة عامة، يتقاسم فيها المؤلف والقارئ الإحساس نفسه بمتعة السرد، التي قد تصبح في عمليات الترجمة ومشاريعها الفردية أو الجماعية، عرضة للمخاطر وسوء الفهم.
يُشيرُ كِيليطو في هذا الكتاب: ثمّةَ تَساؤُلٌ طَرحهُ بُورخِيسْ في إحدى مُحاضَراتِه: «ما هو الشرقُ وما هو الغربْ؟ سؤال إذا ما أُلقي عليّ، لا أعرف كيف أجيبْ».
يَتساءل كيليطو أيضا، وهذا عنوان مقالة في الكتاب: "بِأيّةِ لغةٍ سيكونُ عليّ أن أموت؟“، بعبارة، لم يذكرها صراحة: يمكن لنا، كقراء، أن نُحرِّف تساؤُلَه: بِأيّةِ تَرجمة سيكونُ عليّ أن أقرأ؟ أيّةُ تَرجمةٍ هي قاتلةْ!. وسطَ مسرحِ القتلِ هُنا!، تُواجهنا حَياةٌ في مَسرح مُقابل. لقد أنقذَ الغربُ من خلالِ الترجمةِ شهرزاد، التي أنقذتْ بِدورها «بنات المسلمين»، في نظرِ كيليطو هذه الثنائياتُ التبادلية بين الموتِ والحياةِ واللغةْ هي ما يُثير هنا؟! مسألةٌ حاسمةٌ.. اللغةُ والترجمةْ.
في إحدى سَفَراتِ السندباد، ذو الهويةِ المتقَلبة كما يصوره كيليطو، نقرأ في الكتاب: أن مَلكا زَوّجهُ بامرأةْ، موضّحا: «إنّك صرتَ واحدا منّا»، وكان من عاداتِ البلاد دفنُ الزوجِ حيًّا إذا ماتَتِ الزّوجةْ. تُثير هذه العادةُ اسْتياءَ السندباد بعد وفاةِ زَوْجَتِه، عِندئذٍ يَرفع صوتَهُ كغريبٍ لا صَبْر له على عاداتِ المُضِيفينْ: السندبادُ يَنتقد شَريعةَ المُسْتضيفْ، أو يَطعنُ في مَشروعية الحاكِم، قائلا: هل يرضى الله بأن يُدفن غريبٌ حيّا؟. وفي تقدير كيليطو أن هذه زلةٌ لِسانيةْ. قد يترتبُ عنها، في تقدير القارئ، سوءُ العاقِبة. أن تَصيرَ واحدًا من أُمةٍ مَا، مَعناه أنكَ تَتنازلُ عن وَضعيتكَ كغريبْ. هلْ في مُساءلة السندباد للحاكمِ، معرفةٌ بالخيرِ والشّرِ تَجْعل الحاكمَ في ارتيابٍ مِنَ الغُرباءْ.
يصِفُ كيليطو الحُلمُ بأنه نداءٌ لَيْليّ، نداءٌ يَقُود الحالميَن إلى السفرِ والعودةْ! عند الحالمِ البغدادِيّ ارتبطَ الحُلمُ بالإفلاسْ، وعند السندبادِ كذلك. يبدو السّفر هنا بِنِيّة التّعويضِ أو الاغتناءْ!؟ النداءُ صوتٌ في الحالتينِ معا: صوتُ الأبِ الميّت في حالةِ السندبادْ، وصوتُ قائلٍ مجهولٍ في قصةِ الحالمِ البغدادي. حِكايَتانِ بِمثابة مِرآةْ، سَفرٌ نحو الكنزْ.
حيث يكون السفر، يكون الكنز. لكن؛ حسب كيليطو، لا يوجد كنزٌ أبدًا حيثُ نعتقدُ أنّه يوجد: بفعل تَصديقنا لحلمٍ، أو باطّلاعنا على مخطوطٍ، نَبدأ دائمًا بالحَفْر في المكانِ الخطأْ: السندبادُ، الحالمُ البغدادِي، شهريارْ، بُلوقِيا… وربما نحن أيضا! لا أحدَ يجدُ ما يبحثُ عنهْ. في الحكاياتِ القديمةِ يعودُ الأبطالُ إلى مكانهمْ الأولْ ليجدوا بالصدفة كُنوزَهُمْ. في الحياةِ والأزمنةِ التي سَتأتي، حَيثُ سَيستمرُّ السّفرُ والاغترابُ والمفاجآتْ… هلْ نُصدقُ الأحلامْ؟!
الظفر بالكنز عند أبطال الحكايات لا يتأتى إلا عن طريق الصدفة والمفاجأة، بحيث يكون المشهد المعروض للمسافِر، في تقدير كيليطو، بمثابة مرآة يتمعّن فيها ما قُدِّرَ له، من غرق في صورته، أو انتفاء وجهه في المرآة!. عند كيليطو أيضا ترتبط المرآة بالقرين أو النظير، كأن تلتقي بشخص يشبهك في ملامحه أو يتقاسم معك اسمك… وفي الأفلام البوليسية، ما أن يصور شخص أمام مرآة إلا ويتوقع المشاهد خطرا ما يحدق به ويتهدده.
كل أبطال الحكايات تقريبا يتكتمون عن إفشاء النداء الليلي: السفر، بما هو اختراق حد فاصل، واستكشاف لعالم مجهول، يجب أن يتحصن بالأسرار والكتمان.. إنه التعطش إلى المعرفة والبحث عن حقيقة الذات عن طريق السفر إلى وجهات وذوات أخرى. سفر من أجل اسم جديد…! 
يغادر شخوص الحكايات دائما، فضاءهم المألوف ويقصدون فضاء غريبا، منتقلين من الإقامة إلى الترحّل. بصورة ما، ينبغي الافتراق ليتحقّق الاجتماع، ينبغي الخسارة ليتحقّق الرّبح، ينبغي التّيه ليتحقّق الوصول، كما يقول كيليطو. ففي السياقات الملتبسة والمفتوحة، التي يتضمنها كتاب ”من نبحث عنه بعيدا يقطن قربنا“ نعرف كقراء وكمسافرين أو غرباء… أن العودة مصير حتمي، ولأنها كذلك، يدعونا مؤلف الكتاب إلى الحذر والاحتراس مما هو بحوزتنا!

(1) عبيد بن سريج المكي، ويكنى أبا يحيى، مولى بني نوفل بن عبد مناف، توفى في خلافة هشام بن عبد الملك، وكان أحسن الناس غناء.