منذ أربع سنوات فقدَ حاسّة الشَّمّ نهائياً، ولا يعرف كيف سُرِقَتْ منه. لكنه يحتفظ بذاكرة الروائح، بما فيها السيئة، أو هكذا يتخيّل له. وهذا ما يجعله لا يتحمل تغيير الأماكن التي اعتاد عليها قبل أن يفقد الشَّمّ. لديه صلات جديدة مع الموجودات إذن؛ إما بالتعرّف على روائحها بشكل استيعادي أو بالتخاطر والتوقّع.خطرت في ذهن صابر مفردات بعينها: الأماكن، الناس، الاحتكاك والتّفاضل. ولما خطرت له قال في قرارة نفسه: تسلّى بها وبدّد ما في البال من شبهات.
راودته أمام المرآة قبل الخروج بهنيهة. وفي الطريق انشغل بالكلمات، فما بدا له تسلية سرعان ما أحوجه إلى تلحيم المفردات، يمشي وبعد خطوات يلملم المفردات في تعبير فتَلحن مقاصده، يمشي كمن يُلقي بالنرد، حيث لا مفرّ من سوء الحظ والخيبة.. لا رائحة للمعنى، يقول صابر ويزيد على ذلك: أثقل السير لكن ضرب الأمثلة يأتي بقشور الكلام؛ يحتك الناس في أماكن بغاية التّفاضل وانتهى الأمر..
ليس في الحسبان أن يداهمه ضيف. فتح صابر الباب، ومن حُسْنِ الحظّ الطارق وهمي. في مسكن يعتبره مُشتركاً مع غريب الأطوار، عليه باستمرار أخذ الاحتياطات، ومع ذلك يكون مُجبراً على التبرير عند أي زيارة مُباغتة: «ليس من شرٍ أكبر من الفوضى»، وهي مقولة للمأساوي القديم سوفقليس تتجسّد في الرّدهة دون عبء نظامي، فكيف، والحالة هاتِه، يرتاح بعِظة شخصية: اترك الأشياء تتحرك وفق سكناتك، وستجدها تستكن وفق حركاتك.
لم يكن بوسعه الاقتناع بعنوان آخر لما يحدث في منزله عدا «شر الفوضى». جسارة، ضوضاء، قهقهات وروائح غير شخصية.. عزا الدمار التدريجي لغريب الأطوار؛ اختفى المطبخ من البيت! وتشابكت وظائف الغرف.. على هذا الوضع لا يستضيف أحداً، ولو حصل لا يتوقّع عودته.
يستطيع صابر الاستمرار في إخفاء عجزه عن الشَّمّ، فهو يدرك بأنها الحاسّة الوحيدة التي يمكن التستر عليها. يسمع نفخات متتالية يصدرها بانتظام بخاخ أوتوماتيكي مُعطّر تحسباً لأية زيارة، وعند كل رشّة صادرة عن البخاخ يتهيأ له طارق على الباب. دويّ الجلجلة لا تكتمه سماعات الموسيقى، يلتفت في الأركان فلا ينتابه الشعور بوداعة إكسسوارات ومزهريات اعتقد عن حُسْنِ نيّة أنها ستضفي أُلفة ما - في الحقيقة المبلغ الذي كلَّفَته لا ينمّ عن صفقة جمالية - والحال أن غريب الأطوار مُستتب لا يبرح شبراً واحداً حتى يشبع فيه تمرغاً.كان صابر مسروراً بنسبية الفوضى، يهادنها بترتيب مزاجي، ويحدث أن ينهمك أياماً في وضع خطة لإعادة الأشياء إلى مكانها الأصلي، ومع أنهُ بالارتجال يتخذ التنظيم صورة مغايرة لما كانت عليه آخر مرّة، فبفضل نهج كهذا يُجبر على نحو معين من التفكير عند كل حركة ترتيبية. يدخل غريب الأطوار على الخط فيقطع صلته بالمكان والزمان، يتأهب صابر لمواجهة المصيبة... يغيب في شرود يُلهيه عن التنظيف؛ فيتخيّل حاله كمن داخل مقصورة خلفية لا أحد على متنها، ولايزال القطار مُنطلقاً في سكته حتى يتصوّر المقصورة مكتظة بركاب يتصببون عرقاً.. تُلقيه الخيلاء أرضاً وملابسه ملطّخة عن آخرها بالصابون. يُزيح المكنسة من على وجه ويهمهم: تفكير مفرط من أجل الأذى.
خابت جُلّ محاولات صابر في تحمُّل إقامة غير هانئة؛ ضرب من النحس ينتشر في أنحاء البيت ما نفعت معه لا بخور ولا تعاويذ. وقد وصلت جسارة زلزاله مداها عندما تخطّت المكان والزمان إلى قطع صلته بالأحلام؛ مرّة، تناول دواء في كأس بلاستيكية فغفا على صورة نافذة تُؤطِّر حيزاً صغيراً من السماء. في غفوته رأى أحداً يستيقظ مفزوعاً، ولو أن غريب الأطوار لم يقتحم البيت بجلجلة أيقظته، لكان قد سأله بفضول عن أسباب فزعه.
بيت صابر حالياً أنظف من أي وقت سابق من مجموع الأوقات التي قضاها به؛ فالترتيب الأخير الذي اتخذه كان دقيقاً، بحيث شمل تفاصيل لم تكنْ تخطر على باله؛ الاستغناء عن حاجيات لا تستعمل ساعده على تفادي الاصطدام بها، أو تعفنها جراء الإهمال، وأشياء أخرى اتّضح تأثيرها السلبي بعدما تخلّص منها.. كما يمكنه بيسر تام تنظيف المطبخ وأدواته وقد أصبحت معدودة، وأما البلاط فيعكس نور المصابيح، والمساحات الفارغة تمكنه من سحب المكنسة ولوازم التنظيف بأريحية تامة، ثم أن القليل من المُعطّر البيتي يكفي لاستدامة مفعوله يوماً كاملاً بما يضمن استعدادات ملائمة لمداهمة الضيوف.في الواقع، لم يكنْ لبيت صابر معنى من قبل، كانت حركته في أرجائه تضيق تدريجياً إلى أن استحالت، فبعدما خرجت الأشياء عن مكانها الطبيعي استحوذت على مساحات لا حق لها في حيازتها. الحقيقة يجب أن تُقال: بيضة واحدة لم يكنْ قليها متاحاً بالنسبة له. كان لا يتردّد على البيت إلا للنوم، عدا ذلك لم يكنْ بوسعه تصديق ما قرأه لكاتب اسمه روبرت فروست «البيت هو المكان الذي إذا ما ذهبت إليه لا يستطيع أحد أن يمنعك».
كان صابر مدركاً بأنه ليس بالإمكان التريّث في الأكل داخل المطاعم الشعبية. لم يكنْ يستطيع تحمّل رؤية الناس وهم يأكلون، أو ينظرون تجاهه وهو يأكل؛ فتناول الطعام من العادات اللطيفة التي يجب ممارستها لوحدنا أو رفقة أحد نحبه! نعم، يُقال في ثقافتنا «الأكل جماعة فيه بَركة»، وهذا المأثور يزيد من تماسك العائلة، لكن، في المطاعم نأكل جماعة، رغماً عنّا، وجبات يطبخها أشخاص لا نعرفهم. وجبات في غاية السريّة لا نرى روائحها الأولى وهي تتصاعد نحو أنوفنا!، حتى صابر تجنّب هذه الوجبات منذ التغيير الكبير الذي طرأ على بيته، بل وصل الأمر إلى جواز مبالغته في وصف الحال بالتطابق الكُلّي مع ما قرأه عن مارسيل بروست الذي كان بمجرد ما تغادر عائلته المنزل في نزهة العطلة الصيفية، يلجأ إلى المطبخ، حيث أصحابه الوحيدون الذين يحترمون القراءة فقط، وقد تجسّدت لصابر هذه الفرصة فعلاً في الأطباق النظيفة المعلّقة على جدران مطبخه الذي لا تفارقه رائحة الليمون بعد ساعة من روائح الطبخ والشواء التي لا يحسبها افتراضية مادام في بيته آمناً ومعافى من «الغمال» والجلجلة!
