حين يتعلق الأمر بالدفاع عن التراث الموسيقي الأصيل، هناك دعاة الحفاظ عليه متعصبين له كما هو، وهم كثر دون سند أكاديمي في الغالب، وهناك من يرى، وهم قلة، أن الحفاظ على التراث لا يقوم عمليا على إشهار السلاح في وجه من يناوئه، بل باستعماله وتداوله في رؤى جديدة، مع ما لعملية التوثيق المستمر من أهمية تربوية وتاريخية. الناقد الموسيقي عادل الهاشمي (الأعظمية 1946) الذي ودعته الساحة الموسيقية العراقية مؤخرا كان من الفئة الثانية، وقد مثلها باستحقاق مشهود، وظل طوال حياته يؤكد، بصرامة لا مجاملة فيها لفنان، على ضرورة استقامة الموسيقى العراقية.
رسخ الهاشمي في نقده خطورة ضياع المقام العراقي باعتباره الركيزة الأساسية التي تستند عليها الأغنية العراقية إلى جانب الأطوار الريفية، ومعروف عنه تمسكه بمشروعه في نقد الموسيقى العراقية وتوثيقها معا، فكان من فضل هذا الإسهام ترتيب التجارب وتنسيق تباينها وضبط مقومات الغناء وضوابط انبنائه، من خلال استعراض مستفيض لأرشيف الأغاني العراقية وروادها، موازنا ذلك في استدلال نقدي وأحكام صريحة في استحقاق الغناء المتقون دون محاباة. وقد كان من أثر ذلك كله إنتاج مقالات ومؤلفات في النقد والتوثيق لا تخلو من تنبيه للفراغ الحاصل في تحصين الهوية العراقية والتراث الغنائي من النهب والتلف، فكان من نتائج هذا الإهمال ما توقف عنده الهاشمي بمرارة حين ادعت إسرائيل "أن اليهود العراقيين الذين كانوا في بغداد غادروا بغداد بأمر من نوري باشا السعيد، وكان من المفروض أن يغادروا البلد عام 1948 بالاتفاقية التي وقعت بعد معركة فلسطين، لكن نوري باشا السعيد أخّر رحيل اليهود العراقيين لكي يُعلموا العراقيين الكثير من فنون الأغنية وكثيراً من فنون المقام وكثيرا من فنون الأطوار الريفية، فأبقاهم حتى سنة 1951.. ولحذقهم أنهم غادروا العراق الذي لم يحلموا به، لذلك ماذا فعلوا؟، ادعوا أن كل هذا الفن هو فن يهودي إسرائيلي". وهكذا، ولما لهذا التزوير من تهديد مستقبلي للإرث العراقي اختار الهاشمي خيار المقاومة الثقافية فاحتل مقام الريادة في تصويب الحقائق التاريخية في مشروعه النقدي الموسيقي عبر عدة مؤلفات كان آخرها "الموسيقى العربية في مائة عام" على غرار مواطنه الرائد الأكاديمي في هذا العمل الفنان الباحث حسين الأعظمي الذي أصدر أكثر من ستة كتب في المقام العراقي أهمها من الناحية التوثيقية "المقام العراقي ومبدعوه في القرن العشـرين" عن دار دجلة، الأردن 2010.
وأسلوب الهاشمي في التوثيق، وإن كانت غايته العلمية تعويض الاضطراب المرجعي نظرا للنقص الأكاديمي الحاصل عند أسلافه من رواد المقام العراقي، فإنه يفيد كذلك في تربية الحس الذوقي وصرامة النقد عند طلاب وجمهور الموسيقى على السواء، فنجده بهذا غير متردد في الحكم على العديد من المطربين مبررا ما هم عليه من شهرة إلى الشفقة العربية أثناء الحصار الاقتصادي الذي تعرض له العراق خلال تسعينيات القرن الماضي. كما يرى أن الأغنية أصبحت صورة للحياة العراقية "بما فيها من انكسارات وبما فيها من مآس وقسوة، فأصبح الفن فائضًا وليس جزءًا من الأساس الجوهري للحياة العراقية". ورغم ما قد ينطوي عليه هذا الحكم من تعميم إلا أنه في الصميم ينم عن قناعة لا مساومة فيها عند الهاشمي، وقد ظل يعلم طلابه في معهد الدراسات النغمية العراقية والفنون الجميلة، وكذلك قرائه في عموده "مرفأ الموسيقى" وغيره من كتاباته الصحفية وما أنتجه من مؤلفات.. بأن لا مجاملة في الفن الأصيل "إذا كنا نريد نهضة جديدة في بناء فني جديد يتوخى الصدق والأمانة ويتوخى سعادة الفرد العراقي".
يقول الهاشمي فيما كتبه عن رواد المقام العراقي: " ناظم الغزالي هو أحد أبطال ملحمة غناء المقام العراقي، فإن فضل هذا المطرب الكبير والمتمكن جداً، انه استطاع أن ينقل المقامات التي أداها إلى خارج الجغرافية العراقية.. إن ما قام به الغزالي، هو تطوير بعض تقليديات الأداء الغنائي، وهو في رأينا، تمارين بيداغوجية أرست فيه قواعد النطق السليم واللفظ الرشيق، وإعطاء الحرف الغنائي حقوق الجمال الأدائي، وإتقان اختلاس الأنفاس وتعلم الشهيق والزفير أثناء الغناء.. وصوت الغزالي من أصوات التينور الدرامي لا الغنائي، وهو يقطر حلاوة وسحراً، لكن الضعف الذي يعانيه صوت الغزالي كما هو معروف في الدرجات الواطئة -القرارات- لذلك تجنب هذا المغني البارع غناء عدد كبير من المقامات التي تتطلب اتساعاً في المساحة الصوتية.. نجاح ناظم الغزالي المدوي في الأفاق العربية قائم على المثابرة والدعك والاحتكام إلى المعارف الصلبة في فن الغناء، لا بضربة حظّ".
خبر عادل الهاشمي طبيعة الأبعاد الموسيقية واهتزازات الأوتار وموجات الصوت وانتشاره وتكوين المسافات والسلالم الموسيقية، وهو العارف المتمكن من تخصصه تاريخا وتنظيرا وممارسة، يميز بسليقته الحناجر وطبقاتها، بين القوية منها من الصارخة، الملتزمة بالأداء الصحيح من المتحايلة عليه، المحلاة بزخارف الارتجال من المغرقة في الخيال والاستعارة... وحين يدون وفق هذه الدربة والخبرة يسوق مقاله في لغة منغومة تنهل من تكوينه الأدبي دون انزياح عن قاموس النقد الموسيقي ومنهجه المتخصص.. وبرحيله تكون الموسيقى العراقية والعربية قد فقدت ناقدا صارما، حريصا على إرث بلاده بسد الفجوة التي يتسلل منها الكثير من الريح، وهو بحق مقاوم موسيقي وثقافي قل نظيره في الساحة العربية.
رسخ الهاشمي في نقده خطورة ضياع المقام العراقي باعتباره الركيزة الأساسية التي تستند عليها الأغنية العراقية إلى جانب الأطوار الريفية، ومعروف عنه تمسكه بمشروعه في نقد الموسيقى العراقية وتوثيقها معا، فكان من فضل هذا الإسهام ترتيب التجارب وتنسيق تباينها وضبط مقومات الغناء وضوابط انبنائه، من خلال استعراض مستفيض لأرشيف الأغاني العراقية وروادها، موازنا ذلك في استدلال نقدي وأحكام صريحة في استحقاق الغناء المتقون دون محاباة. وقد كان من أثر ذلك كله إنتاج مقالات ومؤلفات في النقد والتوثيق لا تخلو من تنبيه للفراغ الحاصل في تحصين الهوية العراقية والتراث الغنائي من النهب والتلف، فكان من نتائج هذا الإهمال ما توقف عنده الهاشمي بمرارة حين ادعت إسرائيل "أن اليهود العراقيين الذين كانوا في بغداد غادروا بغداد بأمر من نوري باشا السعيد، وكان من المفروض أن يغادروا البلد عام 1948 بالاتفاقية التي وقعت بعد معركة فلسطين، لكن نوري باشا السعيد أخّر رحيل اليهود العراقيين لكي يُعلموا العراقيين الكثير من فنون الأغنية وكثيراً من فنون المقام وكثيرا من فنون الأطوار الريفية، فأبقاهم حتى سنة 1951.. ولحذقهم أنهم غادروا العراق الذي لم يحلموا به، لذلك ماذا فعلوا؟، ادعوا أن كل هذا الفن هو فن يهودي إسرائيلي". وهكذا، ولما لهذا التزوير من تهديد مستقبلي للإرث العراقي اختار الهاشمي خيار المقاومة الثقافية فاحتل مقام الريادة في تصويب الحقائق التاريخية في مشروعه النقدي الموسيقي عبر عدة مؤلفات كان آخرها "الموسيقى العربية في مائة عام" على غرار مواطنه الرائد الأكاديمي في هذا العمل الفنان الباحث حسين الأعظمي الذي أصدر أكثر من ستة كتب في المقام العراقي أهمها من الناحية التوثيقية "المقام العراقي ومبدعوه في القرن العشـرين" عن دار دجلة، الأردن 2010.
وأسلوب الهاشمي في التوثيق، وإن كانت غايته العلمية تعويض الاضطراب المرجعي نظرا للنقص الأكاديمي الحاصل عند أسلافه من رواد المقام العراقي، فإنه يفيد كذلك في تربية الحس الذوقي وصرامة النقد عند طلاب وجمهور الموسيقى على السواء، فنجده بهذا غير متردد في الحكم على العديد من المطربين مبررا ما هم عليه من شهرة إلى الشفقة العربية أثناء الحصار الاقتصادي الذي تعرض له العراق خلال تسعينيات القرن الماضي. كما يرى أن الأغنية أصبحت صورة للحياة العراقية "بما فيها من انكسارات وبما فيها من مآس وقسوة، فأصبح الفن فائضًا وليس جزءًا من الأساس الجوهري للحياة العراقية". ورغم ما قد ينطوي عليه هذا الحكم من تعميم إلا أنه في الصميم ينم عن قناعة لا مساومة فيها عند الهاشمي، وقد ظل يعلم طلابه في معهد الدراسات النغمية العراقية والفنون الجميلة، وكذلك قرائه في عموده "مرفأ الموسيقى" وغيره من كتاباته الصحفية وما أنتجه من مؤلفات.. بأن لا مجاملة في الفن الأصيل "إذا كنا نريد نهضة جديدة في بناء فني جديد يتوخى الصدق والأمانة ويتوخى سعادة الفرد العراقي".
يقول الهاشمي فيما كتبه عن رواد المقام العراقي: " ناظم الغزالي هو أحد أبطال ملحمة غناء المقام العراقي، فإن فضل هذا المطرب الكبير والمتمكن جداً، انه استطاع أن ينقل المقامات التي أداها إلى خارج الجغرافية العراقية.. إن ما قام به الغزالي، هو تطوير بعض تقليديات الأداء الغنائي، وهو في رأينا، تمارين بيداغوجية أرست فيه قواعد النطق السليم واللفظ الرشيق، وإعطاء الحرف الغنائي حقوق الجمال الأدائي، وإتقان اختلاس الأنفاس وتعلم الشهيق والزفير أثناء الغناء.. وصوت الغزالي من أصوات التينور الدرامي لا الغنائي، وهو يقطر حلاوة وسحراً، لكن الضعف الذي يعانيه صوت الغزالي كما هو معروف في الدرجات الواطئة -القرارات- لذلك تجنب هذا المغني البارع غناء عدد كبير من المقامات التي تتطلب اتساعاً في المساحة الصوتية.. نجاح ناظم الغزالي المدوي في الأفاق العربية قائم على المثابرة والدعك والاحتكام إلى المعارف الصلبة في فن الغناء، لا بضربة حظّ".
خبر عادل الهاشمي طبيعة الأبعاد الموسيقية واهتزازات الأوتار وموجات الصوت وانتشاره وتكوين المسافات والسلالم الموسيقية، وهو العارف المتمكن من تخصصه تاريخا وتنظيرا وممارسة، يميز بسليقته الحناجر وطبقاتها، بين القوية منها من الصارخة، الملتزمة بالأداء الصحيح من المتحايلة عليه، المحلاة بزخارف الارتجال من المغرقة في الخيال والاستعارة... وحين يدون وفق هذه الدربة والخبرة يسوق مقاله في لغة منغومة تنهل من تكوينه الأدبي دون انزياح عن قاموس النقد الموسيقي ومنهجه المتخصص.. وبرحيله تكون الموسيقى العراقية والعربية قد فقدت ناقدا صارما، حريصا على إرث بلاده بسد الفجوة التي يتسلل منها الكثير من الريح، وهو بحق مقاوم موسيقي وثقافي قل نظيره في الساحة العربية.
