ما تراه، ما تسمعه، وما تعتقد أنه ماضيك… دع النسيان يغمره كإسفنجة؛ «فـما من صورة تصدمنا إلّا وتذكِّرنا بالحركات التي صنعتنا […] ومن دون توقّف فإن التي نحبُّها تحوَّلت إلى حلم. ومن دون توقّف فإن الذكريات ليست سوى حجارة»…بالنسبة إلى أولئك المأسورين في ذاكرتهم، انجذابهم إلى كلّ لحظة ماضية حالة إدمان. والمنهمكون في لحظتهم الآتية، ينساقون إلى نسيانهم، إلى الآتي من تلقاء نفسه! ترى، ما هي تلك «المعجزة الصغيرة» التي تحوّل الغائب إلى حاضر، والحاضر إلى غائب؟ ذلك السحر الجاذب بسلطانه نحو الإزالة والاحتفاظ معاً. لأن النسيان ليس تسلُّق النهاية في صمت، ولأن التذكُّر ليس مجرَّد تكديس لتفاصيل مباشرة، فجماعهما معجزة أحلام ورغبة، وجبال من الأفكار!
يتساءل شاتوبريان في «مذكِّرات ما وراء القبر»: ماذا سنكون بدون ذاكرة؟ الجواب بديهي: «سننسى أصدقاءنا، أحبَّتنا، مسرّاتنا، أعمالنا. وسيعجز العبقريّ عن استرجاع أفكاره، ويخسر أكثرُ العشّاق اندفاعاً رقَّتَه. سيُختَزَل وجودنا إلى لحظات متعاقبة من حاضر يتلاشى، أبداً». إنه الموت المعلن للذكريات، موتنا في صمت التناهي الحزين. ويمكننا، فقط، افتراض سؤال شاتوبريان مقلوباً: ماذا سنكون بدون نسيان؟، ليكون للجواب، دائماً، أوجه واحتمالات عديدة..
في مقال ضمن الكتاب الجماعي «الخمسون سنة المقبلة»(2)، توقَّع جوزيف ليدوكس إمكانية تغيير مصير الذكريات الصادمة قبل ثباتها، وأن يساعد تناول عقاقير على حيويّة الذكريات السعيدة. لكن ليدوكس بدا غير متحمِّس لتوقُّعه: «إن إعطاءك شريك حياتك حبّة دواء في ذكرى زواجكما، أَقلّ رومانسيّةً من إهدائه باقةً من الزهور، ولكن الحبّة ستحقِّق النتيجة المطلوبة: أمسية مفعمة بالذكريات الجميلة. بمزيد من الفعالية، يمكنك- على سبيل الاحتياط- إعطاؤه حبّة الدواء وباقة الزهور».
إدارة الذاكرة، تحسين أدائها، واستعادة وظائفها، من شعارات القرن الواحد والعشرين، قرن الذاكرة والرغبة، كما وصفته نانسي إيتكوف في مقالتها، ضمن الكتاب المذكور آنفاً. لكن، لنتأمَّل الصورة التي أمامنا: كان فرويد يستنطق ذاكرة زائره ليجد ثغرة داخل نظام نسيانه، وليُنفِذ، من خلالها، ترياق اللُّغة المعالِج. بينما تتحدَّث مقالة ليدوكس المستقبلية عن موادّ لتفتيت ما لم يتشكَّل! نسيان يشترط تذكُّر كلّ شيء عند الأوّل، وعلى عدم تشكُّل الذكرى عند الثاني!. ثمّة تأويل عابر لتفادي ضيق المقارنة، يأتينا من عند باسكال كينيارد، إنه نسيان ما لم يحدث أبداً!.
كلّ شخص يسعد بتذكُّر ماضيه السعيد، بقدر ما يرغب في نسيان جانبه المظلم. كلّ شخص مثل مكبث؛ «يتوق إلى ترياق حلو مُنسٍّ للأحزان!»؛ يتعلَّق الأمر بعلاج يميِّز بين ما نرغب في التخلّي عنه، وما لا نرغب في محوه، وكلاهما يتجاوران في «القصور الفسيحة للذاكرة»(3). إنه السحر متجلِّيّاً في إظهار حكايات ماضية. عملية بمنزلة؛ «معجزة صغيرة» تتيح التعرُّف الحالي إلى ذكرى منتزَعة من النسيان. لكن، هاهي الآلة الجسدية، الواثقة من قدراتها السعيدة، تُشعِر بول ريكور(4) بالريبة والتساؤل: أَوَلسنا محكومين بأن ننسى كلّ شيء؟، بل إنه ينبِّهنا، حين لا يخفّ احترازه من موارد الذاكرة التي لا سيطرة لنا عليها بالكامل، وهي قادرة على الإساءة والألم…، فكيف نحترز من موارد الذاكرة، إذن؟ أَنتناول حبّات جوزيف ليدوكس، أم نشرب من مياه النسيان!؟.
في اختيار ما هو آيل للنسيان، دون سواه، يحصر باسكال كينيار مهامّ الذاكرة. كلَّفه التفصيل في هذا التحديد أكثر من صفحة وسياقات، هنا وهناك، ليصل إلى وظائف، إذا سلَّمنا بها، فإنها ستغيِّر مجرى الأجوبة المفترضة على سؤال شاتوبريان، مقلوباً: ماذا سنكون بدون نسيان؟، بل لنقل إنها ستجرف معها أجوبة السؤال الأصلي: ماذا سنكون بدون ذاكرة؟. ينطلق هذا التحديد من زواية نظر كينيار، كون الصعوبة التي تقدِّمها وظيفة الذاكرة لا تتمثَّل في «تكديس ما انطبع في مادّة الجسد»، بل في عمليّات: (الاختيار، والاقتطاع، والتذكير وعودة عنصر وحيد داخل ما تمّ تكديسه دفعة واحدة). في المقابل، لا تعود كتلة الماضي على الروح، طالما النسيان يطمر ما لا يمكن تحمُّله، ويقوم بتنظيم ما «يجب أن يسقط من أجل الاحتفاظ بما نتمنّى عودته».
يسمح السياق، الآن، باستخلاص بعض الملاحظات: أوّلها؛ أن إشكالية الذاكرة هي، إلى حدٍّ بعيد، مرتبطة بالنسيان أكثر من ارتباطها بالتذكُّر، وأن هذه العلاقة «التبادلية» تضمن استمراريَّتها المبدعة في تدبير النسيان. ويمكن، علاوةً على عمليّات «الاختيار، والاقتطاع…»، زيادة عنصر التجديد لصور ماضينا، مادامت: صور الذاكرة، في تقدير مارسيل بروست(5)، يمكن أن تصاب بالبلى نتيجة الاستخدام المتكرِّر. اقتراح بروست يتيح لنا، على سبيل المثال، مساءلة ديدرو: أيّة صلة كانت ستكون، لـ«جاك القدري»، بذاته، لو أنه أجاد الكلام مثلما أجاد التفكير؟ كان جاك، في كلّ مرّة يسأله المعلِّم: أين قصّة غراميّاتك؟ يجيب: لم أعد أدري أين كنت منها. فقد قوطعت مراراً، حتى أني أحسن صنعاً بالعودة إلى البداية. بتعليق عبدالفتاح كيليطو(6): تقوم بِنية رواية جاك القدري في النّسيان المسترسِل. وعلى هذا النحو كان جاك يجدّد صلته بذاته.
ثانيها؛ أن الاستسلام للذكرى، بتعبير ريكور، في كتابه المذكور، نوع من حالة الحلم، أو القفزة التي تكسر الحلقة السحرية للانتباه إلى الحياة!، يندرج هنا، بالعطف، ما سمّاه بالنسيان الاحتياطي، وكذلك خروج الذكرى عن دائرة تنبَّه الوعي. أليست هذه حالة الانقلاب الجذري والتحوُّل التي اختبرها بورخيس في صورة بطله فونيس، الذي لا ينسى؟ في هذه القصّة(7): عاش فونيس تسعة عشر عاماً كأنه في حلم. كان ينظر فلا يرى شيئاً، كان يصغي فلا يسمع، وكان ينسى كلّ شيء، تقريباً. عند سقوطه عن الجواد فقد وعيه، وحين أفاق كان الحاضر، وحتى أقدم الذكريات وأتفهها، فوق طاقته (تقريباً) على الاحتمال… لقد طارده شبح ذاكرة مخيفة لا تنسى أيّ شيء، فشلَّ قدرته على التفكير حتى قتله الأرق!. كان شرط النوم، عند بورخيس، هو الاستسلام للنسيان الكلّي، و- من ثَمَّ- العودة إلى الحالة الحلمية التي فقدها. لكن ريكور يحضر، مرّة أخرى، ليضعنا في ريبة من أمرنا: «إن الكائن البشري الذي يحلم وجوده بدل أن يعيشه، سيبقي تحت نظره، في كلّ لحظة، الكثرة اللامتناهية لتفاصيل تاريخه الماضي».
تستدعي الملاحظة الثالثة تأمُّلاً مضاعفاً. ودائماً، مع ريكور، تحضر الإشكالية، في مستواها الأعمق، كطرف في النقطة الأشدّ حساسية لمعادلة الحضور والغياب. ميري ورنوك(8) وضعت هذه النقطة تحت المجهر، ورأت أن: الذاكرة تتداخل مع المخيِّلة، ويصبح متعذَّراً التمييز التامّ بينهما. كلاهما يتمثَّل في التفكير بالأشياء في غيابها. ولإثبات ذلك استندت ورنوك إلى برتراند راسل، في قوله: «لكي تصبح الصورة ذكرى، يجب أن يصاحبها شعوران؛ الأوَّل شعور بالألفة، والثاني شعور بانقضائها». وعمليا؛ تمثِّل تجربة «Le déjà-vu»، حالة الألفة، لكنها، في تصوُّر ورنوك، سرعان ما تتحوَّل إلى شعور الانقضاء، فلكونه: «شعور خاطئ غير متوقَّع ومضلّل، هو ما يجعلني أشير إليه، باعتباره شعوراً، وفي هذه الحالة لا يكون بوسعي سوى القول إني أبدو كمن يتذكَّر ما يحدث.. ».
في الزمن المعاصر، ماذا يعني أن أكون ناسياً؟ ماذا يعني أن أكون متذكِّراً؟! إننا نرى كيف يمكن لتفاصيل حيواتنا الشخصية أن تقطن خارج أجسادنا. ونشهد، بشكلٍ يوميّ، عنف الأحداث اللاهثة، يقفز بخطاه الواسعة فوق كلّ لحظة حميمية، فمن كان يتأنَّى فقد تبخَّر تأمُّله. وفي ليلة واحدة، يصف ميلان كونديرا في «الضحك والنسيان»: يُنسى الحدث التاريخي، وسرعان ما يتلألأ في الغد على صفحة ندى الحدث الجديد، فلا يعود، بذلك، لوحة خلفية في سرد الراوي، بل يغدو مغامرة مفاجئة تجري على خلفية الابتذال المألوف للحياة الخاصّة.
لأن صورة هذا العالم مرّت، لم تعد الأسماء على طرف اللسان. يصيح باسكال كينيار: «أقولها لكم، يا إخواني: الزمن أصبح قصيرا. والذين لهم زوجة يعيشون كما لو أنه ليست لهم زوجة. الذين يبكون، كما لو أنهم لا يبكون. من يستعملون هذا العالم، كما لو أنهم لا يستعملونه…»
1 - باسكال كينيار، الاسم على طرف اللسان، ترجمة: محمد المزديوي
2 - الخمسون سنة المقبلة، مجموعة من المؤلفين، تحرير: جون بروكمان، ترجمة: فاطمة غنيم.
3 - بتعبير أغسطين في اعترافاته.
4 - بول ريكور، الذاكرة التاريخ النسيان، ترجمة: جورج زيناتي.
5 - مارسيل بروست، البحث عن الزمن المفقود، ترجمة: إلياس بديوي.
6 - عبدالفتاح كيليطو، من نبحث عنه بعيدا، يقطن قربنا، ترجمة: إسماعيل أزيات.
7 - من مجموعة: Ficciones, Emecé editores, BA، ترجمة: هنري فريد صعب.
8 - ميري ورنوك، الذاكرة في الفلسفة والأدب، ترجمة: فلاح رحيم.
3 - بتعبير أغسطين في اعترافاته.
4 - بول ريكور، الذاكرة التاريخ النسيان، ترجمة: جورج زيناتي.
5 - مارسيل بروست، البحث عن الزمن المفقود، ترجمة: إلياس بديوي.
6 - عبدالفتاح كيليطو، من نبحث عنه بعيدا، يقطن قربنا، ترجمة: إسماعيل أزيات.
7 - من مجموعة: Ficciones, Emecé editores, BA، ترجمة: هنري فريد صعب.
8 - ميري ورنوك، الذاكرة في الفلسفة والأدب، ترجمة: فلاح رحيم.
