يتمتع المتفرج مباشرة من مدرجات الملعب بحرية اختيار اللقطة التي يريدها من المباراة، بينما تنعدم هذه الحرية في حالة متابعته لها عبر التليفزيون؛ وذلك لأن المخرج هو الذي يفرض على المشاهد ما يتوجب عليه أن يراه من أطوار اللعبة، وبدرجة أقل يفرض ما يمكن وصفه على لسان المعلِّق الرياضي.وهكذا، تبقى الشاشة الصغيرة عاجزة عن نقل الصورة الواقعية للملعب (120م طولاً و90م عرضاً)، وفي نقل هذه المساحة مجزأةً، حيث غالباً ما يكون مسار الكرة هو المحدِّد لزوايا الصورة، تضيع تفاصيل كثيرة تقع في باقي المناطق المغيَّبة من الملعب؛ من قبيل مشاغبات اللاعبين فيما بينهم وتحركاتهم بدون كرة، وبعض الطرائف التي قد ينتبه إليها المخرج فيعيد بثها في الوقت الضائع من اللعب. وهكذا فإننا لا نعيش تجربة فرجة حرة ومكتملة كالتي يعيشها متفرج موجود في مدرجات الملعب يُطل ويُراقب كلَّ صغيرة وكبيرة تحدث على المستطيل الأخضر.
ثمة تفاوتات حتى في مشاهدة مباراة على شاشة التليفزيون؛ ففي البيت يقلُّ الحماس والانفعال مقارنة بالمقهى، ذلك أن وجود عدد من المشاهدين ينشط جدلياً الموالين لهذا الفريق أو ذاك، ومثلما تكون المعركة على أرضية الملعب ملتهبة، كما على مدرجاته، يكون جمهور المقهى كذلك، بينما يتابع الشخص الواحد معركة كروية ضارية في بيته بكل هدوء ورويّة.
غير أن المُشتَرك بين الأمكنة الثلاثة، هو حين يصبح المكان هنا، ليس مكان مشاهدة فحسب، بل في تجاوزه ذلك، سواء في مدرجات الملعب أو في المقهى والبيت، إلى مكان لإنتاج مضمون عالمي مدته على الأقل 90 دقيقة من الانفعالات المتشابهة والمقتسمة بين الشعوب في كل مكان، أي أن مكان المشاهدة يصبح مُولداً لمجتمع زمني ينخرط كلياً في متابعة نفس الشيء، ويكون المضمون هو مجموع التعليقات والتحليلات، والتكهنات... المصاحبة للساحرة المستديرة.
مدرجات الملعب هي المكان الحقيقي لمشاهدة مباراة كرة قدم، وأما التليفزيون فهو المكان المزيف. وعليه تتخذ المدرجات صفة المكان الأصلي، فيما التليفزيون هو النسخة المزيفة أو «السيمولاكر»، الذي ينقل هوس المدرجات إلى المقهى أو البيت انطلاقاً من بث مباشر يحاكي ما يجري على أرضية الملعب. إننا نلاحظ دائماً كيف يسعى جمهور المقهى في اندفاعه وانفعاله إلى تقليد جمهور المدرجات، والواقع أنه يتماهى معه ويتبادل معه نفس الشعور، وإن كان الجمهور في المدرجات ليس باستطاعته الانتباه إلى ذلك.
في كل أمكنة المشاهدة، تجعلنا الساحرة المستديرة نملأ الكون ليخالجنا نفس الشعور، طعم الانتصار والهزيمة، انفعالات على إثر ضياع ضربة جزاء، سخط على قرار غير عادل للحكم، هجمة مرتدة في الوقت الضائع من المباراة تحسم النتيجة... لا شيء آخر كمشاهدة مباراة حاسمة يمتلك قوة تكثيف هذه الأحاسيس الدرامية في لحظة واحدة ويجعلها مشتركاً عالمياً. إن هدفاً بضربة مقصيّة يجعل الجماهير على المدرجات وأمام شاشة التليفزيون يهتفون ويشعرون بالسعادة، وإن ضياع هدف حقيقي يخيّب أمل الملايين.
مثلاً، ما فائدة أن يصرخ أحد لوحده، إذا قلنا سلفاً إن هذا من الجنون وإن فعل الصراخ يقترن بوجود أشخاص بالجوار، ومع ذلك؛ إنه لوحده في البيت يشاهد مباراة على شاشة التليفزيون، ويستطيع الانفعال مع مجرياتها. لكن، هل يتمكن من ملاحظة انفعالات مشابهة لآخرين وهو لوحده؟ إن الطريف في هذه الحالة، أنه عند انفعاله وصراخه بعد تسجيل هدف لصالح فريقه، يفترض أنه ليس لوحده، فيصيح فرحاً. إنها لحظة يشعر فيها بالانتماء والفخر، وما صراخه الجنوني إلا انعكاس ناجم عن افتراضه لآخرين يصيحون في المقهى أو الملعب أو في بيوتهم تعبيراً عن نفس الحالة الوجدانية. لهذا يصح القول، إنه انطلاقاً من تقمص جمهور المقهى جمهور المدرجات فإن مراتبية التقمص تنتهي بذوبان الشخص الواحد الذي يتابع مباراة في بيته في مجموع الجماهير، وتصير مراتبية التقمص على النحو الذي يتشكل فيه الانفعال العابر لأمكنة المشاهدة المتعددة؛ بحيث يتقمص جمهور المقهى جمهور المدرجات، ويتقمص الشخص الواحد في بيته جمهور المقهى، وكل ذلك يتم في لحظة انفعالية مشتركة زمنياً ومختلفة مكانياً يوحدها الشعور بالانتماء. وإن كان لابد من مقارنة طفيفة بين هذه المواقف وأمكنة حدوثها أو التعبير عنها، يمكن القول بأن انفعال جماهير المدرجات يكون أقوى حماساً من جماهير المقاهي، وجمهور البيوت أقل بكثير من حماس الأول والثاني، لذلك فإن تفضيل شخص المقهى عن البيت يكون بداعي البحث عن فضاء أكثر توليداً للانفعالات والحماس الكروي، والذي يتكبد عناء التنقل وتذكرة المباراة حتى في حالة الطقس الماطر، فإنه يُقْدِمُ على ذلك بدافع تحقيق انفعالات عن قرب.
وكون هذه التفاوتات المكانية تشترك في نفس الانفعالات المصاحبة للفرجة، فإنها من جهة الشعور بالراحة تختلف من مكان إلى آخر، فإذا كان رواد المدرجات يتحملون أعباء تذكرة المباراة والسفر، فإن رواد المقهى يدفعون مقابل المشاهدة ثمن استهلاك مشروب معين، في حين قد يستلقي المتفرج في بيته على كنبة أمام جهاز التليفزيون. وليس دائماً من نتائج هذا التفاوت التفاضل في الارتباط والانتماء بقدر ما يحدد الفرق بين اختيار مكان مشاهدة دون آخر مستويات طبقية من الانفعال والرغبة في الانتصار أو الهزيمة، وهذا ما يفسر كون وقع الهزيمة على جمهور المدرجات هو أكثر خيبة من وقعها على جمهور يتابع نفس المباراة في مقهى، وفي مرتبة ثالثة أقل وقعاً على مشاهد المباراة في البيت، وهذا ما يجعل الانفعال في المستوى الأول، سواء على إثر الانتصار أو الهزيمة، يمتد زمنياً خارج الملعب وفي أقصى تمظهراته يؤول إلى مشاجرات وشغب بين أنصار الفريقين، وقد تحدث مشاحنات بين شخصين في مقهى يتابعان مباراة بين فريقين غريمين، في حين يَسْلَمُ المتفرج في بيته من هذا الوضع الانفعالي العنيف.
ولكن، ما هو العنصر الثابت في كل هذه الأمكنة؟ إنه، بديهياً، الرغبة في مشاهدة مباراة كرة قدم، والمتفرج المعتدل بشكل عام يُشبع هذه الرغبة خلال مجريات اللقاء فيتعرف على النتيجة والكيفية التي سجلت بها الأهداف، وإنه يعيش هذه اللحظات دون أن يؤثر مكان المشاهدة على تمتعه بها. أما في حالة التعصب كدرجة قصوى في سُلَّمِ الهوس الكروي «الشوفيني» فإن المتفرج من هذا الصنف، وبسلوك لاشعوري، قد يؤذي نفسه أو أي شيء تصادفه ردة فعله على إثر ضياع ضربة جزاء، وفي هذه الحالة يتحول مكان المشاهدة إلى مسرح لردود الأفعال الفجائية، حيث كلما انتقلنا من المشاهدة المنزلية إلى المقهى ومدرجات الملعب سوف نلاحظ توهج اللاوعي الجماهيري الجماعي الذي يتخذ ليس فقط مظهر التشجيع الرياضي وإنما يتخطاه إلى تفجير طاقة الانتماء والعصبية التي تتخذ من الحشد والهتافات واللافتات والفوفوزيلا والطبول وغيرها من العتاد الذي ينطوي ظاهرياً على التشجيع والمناصرة وباطنياً على تطويق الجمهور المضاد والنيل من عزيمة الفريق الخصم، وهذه الصورة لا تمنعنا من القول بأنه: إذا كانت المباراة الدائرة بين فريقين يحكمها قانون كروي، وهو نسبي وتقديري، فإنه على مدرجات الملعب تكون معركة طاحنة بين أنصار الفريقين.
الروح الرياضية، ثقافة الخسارة، التسامح... شعارات ارتبطت بفلسفة كرة القدم أكثر من غيرها من الرياضات. وإن تمثل هذه القيم النبيلة يقتضي السيطرة على مدرجات الملعب باعتبارها مكاناً يترجم مبدئياً قيم اللعبة الأكثر شعبية وجاذبية. إن المقارنة تقربنا من أنماط متفاوتة من الجماهير يعكس سلوكها طبيعة النظام البنيوي العام؛ فإذا كان جمهور ما يتابع مباراة كرة قدم ويصفق إعجاباً بتمريرة بارعة كما لو كان ينصت لسمفونية في دار أوبرا، فإن جمهوراً آخر بينه وبين الملعب سياج بطول ثلاثة أمتار. لقد وضع الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) قوانين صارمة للحد من ظاهرة الشغب في مدرجات الملاعب، وجميع أشكال التمييز، فوفقاً للمادة (67) البند (1) من قانون لجنة الانضباط، فإن الاتحادات المحلية هي المسؤولة عن تصرفات الجماهير غير اللائقة، وكثيراً ما يُعَاقَبُ فريق كروي جراء سلوك عنصري أو أحداث شغب دموي تصدر عن جمهوره... وفي الحالة التي يُعَاقَبُ فيها فريق ما بإجراء مباراة بدون جمهور، فإن شهية جمهور المقهى، والبيت لا تنفتح تماماً على متابعة هذه المواجهة.
