من دواعي تأليف «لذَّة النصّ»(1) الوضع القائم في فرنسا، كما وصفه «رولان بارت» في كتابه: «يبدو أن فرنسياً من اثنَيْن لا يقرأ؛ وهذا يعني أن نصف فرنسا محرومة- تحرم نفسها من لذّة النصّ. وإننا لا نأسف، مطلقاً، على هذه النكبة الوطنية إلّا من وجهة نظر إنسانية. فالفرنسيون، إذ ينأَوْن بأنفسهم عن الكتاب، إنما هم يتخلَّون عن ثروة أخلاقية، وقيمة نبيلة».في حالتنا الراهنة، كم من عربي لا يقرأ؟ كم عدد المحرومين من لذة النص؟ لا نعرف! لكننا دأبنا على تصفح عناوين من هذا القبيل: منظَّمة الأمم المتَّحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) تعلن أن هناك 617 مليون طفل ومراهق، على مستوى العالم، لا يستطيعون القراءة». العالم العربي يتصدَّر نسب الأمّية!. الأوروبي يقرأ نحو 200 ساعة سنوياً، بينما لا يَتعدَّى العربي 6 دقائق. العالم العربي يصدر كتابين مقابل كلّ مئة كتاب يصدر في دول أوروبا… إذن، ما جدوى الحديث عن القراءة وتذوق النصوص…؟ سؤال يفقد الشهية، لنترك خيبة الإحصاءات جانباً!
ماذا تستطيع القراءة؟ بصيغة محدَّدة: ماذا يستطيع الأدب؟ يذكر «تودوروف» في «الأدب في خطر»(2) أن «جوهن ستيوارت ميل» روى، في سيرته الذاتية، «قصّة الانهيار القاسي الذي تعرَّض له في سنواته العشرين»، فقد غدا «بارد العاطفة إزاء كلّ متعة، وإزاء كلّ إحساس لطيف. وكان ذلك في واحدة من حالات الضيق حيث أصبح كلّ ما يعجب به، في لحظات أخرى، عديم الطعم ولا يثير الانتباه». تبيَّنَ، حسب «تودوروف»، أن كلّ الوصفات العلاجية التي استعملها «ستيوارت» لم تجدِ نفعاً أمام حالة مؤلمة دامت عامَيْن، إلى أن بدأت تنقشع، شيئاً فشيئاً، بسبب مجموعة «وردسوارت» الشعرية التي قرأها «ميل»، بالصدفة، ليجد فيها مشاعره الخاصّة، ونبع فرحه الداخلي، و«ملذَّات الوداد والتخيُّل التي يمكن لكلّ الكائنات الإنسانية أن تتقاسمها». كيف استطاع «جوهن ستيوارت ميل» أن يشفى بفضل القراءة؟ لقد كانت الأشعار جرعة الدواء التي تذوَّقها، بعد فقدان حواسّه للشهية، والشغف اليومي، طيلة عامين.
في حكاية إضافية، يستحضر «تودوروف» تجربة امرأة في باريس، تمّ توقيفها بتهمة وقوفها إلى جانب الألمان، إبّان الاحتلال. «كانت «شارلوت ديبو» وحيدة في زنزانتها، خاضعة لنظام «الليل والضباب»، ولم تكن تملك حقَّاً في الكتب، وبمساعدة رفيقتها في الزنزانة التي في الأسفل، كانت تستطيع أن تستعير كتباً من المكتبة، وحينئذ، نسجت «ديبو» ضفيرة من خيوط استلَّتها من غطائها؛ وبذلك رفعت إليها كتاباً عن طريق النافذة. ومنذ هذه اللحظة، سكن «فابريس دل ينغو» زنزانتها، أيضاً. ما كان يتكلَّم كثيراً، ومع ذلك، كان يسمح لها بقطع الوحدة»(3).
يستند «تودوروف» إلى هذه القصّة ليبيِّن قدرة الأدب؛ «يمكنه أن يمدّ لنا العون، عندما نكون محبطين بعمق، ويقودنا نحو الكائنات الإنسانية الأخرى التي تحيط بنا، وأن يجعلنا نفهم العالم على نحو أفضل، ويساعدنا على العيش؛ وليس هذا لأنه يمثِّل تقنية لمعالجة الروح، قبل كلّ شيء، فحسب، فهو يستطيع، أيضاً، أن يحوِّل كلّ واحد منّا من داخله (…). الأدب يجعل المرء يعيش تجارب فريدة (…) يحتفظ بالثروة وتعدُّد المعاش (…). ما تعطيه الرواية لنا ليس معرفة جديدة، بل قدرة جديدة على التواصل مع كائنات مختلفة عنّا؛ و- بهذا المعنى- هي تشارك في الأخلاق أكثر من مشاركتها في العلم. والأفق الأقصى لهذه الحقيقة ليس الحقيقة، لكنه الحبّ؛ أي الشكل الأعلى للعلاقة الإنسانية».
يضع الطبّاخ الماهر، في الأكل، قطعة من قلبه، من عاطفته، يوقظ، بهما، وبالنكهة، حواسّ متذوّق جائع حتى يشبع؛ صورة يمكن القياس عليها، حين نلتهم الكتب بنهم، حتى تُقذَف فيه حياتنا. لقد وضع «فرانسيس بيكون» مفهوماً جديداً للأكل: «بعض الكتب يجب التلذُّذ بها، وغيرها يجب أن تُلتَهم، وأخرى تُمضَغ جيّدًا، وتُلتهم». الشهية البصرية نفسها، نعثر عليها في نصّ مسرحية «من الحبّ من أجل الحبّ» لـ«ويليام كونكريف»، حين يقول الخادم: «تناول الغذاء عبر عينيك، أغلق فمك واجترّ كتَل الفهم. إن المرء يسمن كثيراً من الحمية الورقية هذه».
لنصوص الأدب حرارة ونكهات سرِّيّة، تُقدَّم بين السطور، تجعل القارئ الجيّد كمتذوُّق الأطعمة المحترف؛ لا يأكل إنما يتذوَّق الأسرار على مائدة مريحة!. وحرارة النصّ، التي من غيرها لا يوجد نصّ، في النتيجة، كما يقول «رولان بارت»(4)، ترضي القارئ، بممارسة مريحة للقراءة تملؤه غبطة. إن القرّاء الشرهين، في هذه المأدبة، من يقلِّبون شفاههم لتذوُّق الكلمات، قرّاء يلتهمون ويتحدَّثون؛ عن مذاقات وتأمُّلات تلذُّذية تربطهم بالنصّ وبالعالم، عن لذَّة النصّ؛ «تلك اللحظة التي يتبع فيها جسدي أفكاره الخاصّة»(5).
لذَّة النصّ، أمْ نصّ اللذَّة؟ في الحالتين، لا يتعلَّق الأمر- بالضرورة- بذلك «النصّ الذي يحكي الملذّات. وإن نصّ المتعة لم يكن، قطّ، ذلك النصّ الذي يروي المتعة». كلّ الجهد، في كتاب «بارت»، انصبَّ على التمييز بين الاثنَيْن. هل يمكن لتذوُّق النصّ أن يكون بمنزلة متعة مادِّيّة؟ النصّ موضوع للَّذَّة، ولا يمكن إثبات العكس. مع بارت، أصبح النصّ من «لذائذ» الحياة مثل (الطعام، اللقاء، والصوت…)؛ وبهذا تمّ إلحاقه بشهواتنا. لكن، ماذا عن «التعارض الكاذب بين الحياة العملية، والحياة التأمُّلية؟، سؤال يتركه بارت عالقاً في ثنايا التأويل، والتجربة الشخصية.
ينطوي تذوُّق جملة، في رواية ما، على لذّة ثقافية، بالأساس؛ بحيث تشكِّل المقياس الوحيد لقيمتها، ولديمومة النصّ نفسه، بالشكل الذي يجعل اللذَّة القرائية، مع مضاعفتها أو العكس في حالات الترجمة، ذلك الانحراف الثوري والفردي للمتعة الجمالية؛ «لا يمكن لأيّ جماعة، ولا لأيّ عقلية، ولا لأيّ لغة فردية أن تتعهَّدها. أتراها تكون شيئاً محايداً؟ إننا لنرى جيّداً أن لذَّة النصّ شيء فضائحي: وليس ذلك لأنها غير أخلاقية، بل لأنها خيالية!»(6).
مرة أخرى؛ يضع قطعة من قلبه في الأكلة كلُّ طبَّاخ حقيقي، كذلك الأديب الجيّد. وعلى النقيض من ذلك، ثمّة حالة من الخيبة والقنوط تصل، إذا استعرنا تعبير الآمدي في كتاب «الموازنة» إلى «غاية القباحة والهجانة والغثاثة والبعد عن الصواب»، أليست أكلة بلا طعم ولا رائحة، أكلة لتسمم فردي وجماعي!. لكن، وبعكس الناقد، يملك متذوّق الأدب أحكامه الخاصّة، وإن كانت نابعة، في العموم، عن «هوى ساذج»، ومتراكم من ذكريات وقراءات يحتفظ بها المتذوّق الأدبي عن شغف. إنه اللقاء الآنيّ والساذج بين النصّ والقارئ، الذي يجعل ممارسة التذوُّق موعداً غرامياً بين الاثنين. في حالات عديدة، يحدث الانجذاب والتذوُّق؛ ليس لأن القارئ يشعر بالارتياح والطمأنينة تجاه كاتبه المفضَّل، بل بعكس ذلك تماما؛ تبرِّر «نانسي هيوستن» قائمة اختيارها «أساتذة اليأس» قائلة: «إنني أحبّ هؤلاء الكُتّاب بطريقة مختلفة، بعضهم أثير لديَّ، وبعضهم الآخر يرهقني أو يصيبني بالرعب».
هناك نقطة، من نافلة القول ذكرها هنا؛ فعلى عكس الناقد، وهو متذوّق بالضرورة، لا يعير القارئ اهتماماً للمنهج، وكأنه، بتذوُّقه غير المُمنهج يرغب في أن تستمرّ الحواسّ في حالة الانتشاء. إن النقد، كما نفهم من بارت، أراد أن يفسِّر ويحكم، فأوشك أن يضيع معنى المتعة الجمالية التي هي أساس التذوُّق.
المتعة، اللذَّة، التذوُّق… أحاسيس معقَّدة وتحمل في طيّاتها نقيضها. بطابعها المتراوح والمنقطع؛ «تكتفي بعرض علاقة مؤقَّتة وعابرة أحياناً بين الذَّات والموضوع، التلاقي المتعمَّد أو العرضي»(7). من هنا، يتبيَّن لنا، مع «بارت»، صعوبة أو عدم إمكانية إجراء نقاش بخصوص الأذواق.
غالباً ما يعرِّف النقَّاد الأدب بكونه تعبيراً عن الخيبة. وفي راهن التلقّي، وليس كما في ماضيه، يعرف الأدب المأساوي تراجعاً في الاستهلاك. هل لأنه قليل المتعة؟ لنقلْ، بعبارة «بارت»: «إن القارئ، اليوم، لم يعد يعتقد أن الوظيفة الأولى للأدب هي تجفيف الدموع»(8)، فانصرف إلى أدب التسلية والترفيه!؛ ذلك الأدب الذي، من الواضح أن قرّاؤه لا يرغبون في أن يبقوا معلّقين «بإرادة الوهم، والإغواء، والتهديد اللُّغوي، مثل سَدادة يحملها الموج».
إن نصّ المتعة، كما يصفه «بارت»، «هو الذي يجعل من الضياع حالة، وهو الذي يحيل الراحة رهقاً (ولعلّه يكون مبعثاً لنوع من الملل)، فينسف- بذلك- الأسس التاريخية، والثقافية، والنفسية، للقارئ، نسفاً، ثمّ يأتي إلى قوّة أذواقه، وقيمه، وذكرياته، فيجعلها هباء منثوراً. وإنه ليظلّ به كذلك، حتى تصبح علاقته باللُّغة أزمة»(9).
متسائلاً عن أيّ نوع من العلاقة يمكن أن تقوم بين لذَّة النصّ ومؤسَّسات النصّ، شَبَّه «رولان بارت»، في موضع آخر من كتابه، لذَّة النصّ ببابل السعيدة. كان غرضه إثارة الانتباه إلى ما يمكن نعته بسياسة لنصّ اللذَّة، تنقل المتعة الجمالية من حقل النظرية إلى الحقل الاجتماعي. غير أن الواقع، في فرنسا، مطلع السبعينيات، كان أفضل من الآن، ورغم ذلك انتقد «رولان بارت» حال القراءة. أمّا في حالتنا العربيّة الراهنة، فمن السهل القول إن التذوُّق الأدبي لا يستهوي أحداً!
هوامش:
1 - لذَّة النصّ، رولان بارت، ترجمة: منذر عياشي (Le Plaisir du texte, Éditions du Seuil, Paris, 1973).
2 - الأدب في خطر، تزفيتان تودوروف، ترجمة: منذر عياشي.
3 - المرجع السابق نفسه.
4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - لذَّة النصّ، رولان بارت.
ماذا تستطيع القراءة؟ بصيغة محدَّدة: ماذا يستطيع الأدب؟ يذكر «تودوروف» في «الأدب في خطر»(2) أن «جوهن ستيوارت ميل» روى، في سيرته الذاتية، «قصّة الانهيار القاسي الذي تعرَّض له في سنواته العشرين»، فقد غدا «بارد العاطفة إزاء كلّ متعة، وإزاء كلّ إحساس لطيف. وكان ذلك في واحدة من حالات الضيق حيث أصبح كلّ ما يعجب به، في لحظات أخرى، عديم الطعم ولا يثير الانتباه». تبيَّنَ، حسب «تودوروف»، أن كلّ الوصفات العلاجية التي استعملها «ستيوارت» لم تجدِ نفعاً أمام حالة مؤلمة دامت عامَيْن، إلى أن بدأت تنقشع، شيئاً فشيئاً، بسبب مجموعة «وردسوارت» الشعرية التي قرأها «ميل»، بالصدفة، ليجد فيها مشاعره الخاصّة، ونبع فرحه الداخلي، و«ملذَّات الوداد والتخيُّل التي يمكن لكلّ الكائنات الإنسانية أن تتقاسمها». كيف استطاع «جوهن ستيوارت ميل» أن يشفى بفضل القراءة؟ لقد كانت الأشعار جرعة الدواء التي تذوَّقها، بعد فقدان حواسّه للشهية، والشغف اليومي، طيلة عامين.
في حكاية إضافية، يستحضر «تودوروف» تجربة امرأة في باريس، تمّ توقيفها بتهمة وقوفها إلى جانب الألمان، إبّان الاحتلال. «كانت «شارلوت ديبو» وحيدة في زنزانتها، خاضعة لنظام «الليل والضباب»، ولم تكن تملك حقَّاً في الكتب، وبمساعدة رفيقتها في الزنزانة التي في الأسفل، كانت تستطيع أن تستعير كتباً من المكتبة، وحينئذ، نسجت «ديبو» ضفيرة من خيوط استلَّتها من غطائها؛ وبذلك رفعت إليها كتاباً عن طريق النافذة. ومنذ هذه اللحظة، سكن «فابريس دل ينغو» زنزانتها، أيضاً. ما كان يتكلَّم كثيراً، ومع ذلك، كان يسمح لها بقطع الوحدة»(3).
يستند «تودوروف» إلى هذه القصّة ليبيِّن قدرة الأدب؛ «يمكنه أن يمدّ لنا العون، عندما نكون محبطين بعمق، ويقودنا نحو الكائنات الإنسانية الأخرى التي تحيط بنا، وأن يجعلنا نفهم العالم على نحو أفضل، ويساعدنا على العيش؛ وليس هذا لأنه يمثِّل تقنية لمعالجة الروح، قبل كلّ شيء، فحسب، فهو يستطيع، أيضاً، أن يحوِّل كلّ واحد منّا من داخله (…). الأدب يجعل المرء يعيش تجارب فريدة (…) يحتفظ بالثروة وتعدُّد المعاش (…). ما تعطيه الرواية لنا ليس معرفة جديدة، بل قدرة جديدة على التواصل مع كائنات مختلفة عنّا؛ و- بهذا المعنى- هي تشارك في الأخلاق أكثر من مشاركتها في العلم. والأفق الأقصى لهذه الحقيقة ليس الحقيقة، لكنه الحبّ؛ أي الشكل الأعلى للعلاقة الإنسانية».
يضع الطبّاخ الماهر، في الأكل، قطعة من قلبه، من عاطفته، يوقظ، بهما، وبالنكهة، حواسّ متذوّق جائع حتى يشبع؛ صورة يمكن القياس عليها، حين نلتهم الكتب بنهم، حتى تُقذَف فيه حياتنا. لقد وضع «فرانسيس بيكون» مفهوماً جديداً للأكل: «بعض الكتب يجب التلذُّذ بها، وغيرها يجب أن تُلتَهم، وأخرى تُمضَغ جيّدًا، وتُلتهم». الشهية البصرية نفسها، نعثر عليها في نصّ مسرحية «من الحبّ من أجل الحبّ» لـ«ويليام كونكريف»، حين يقول الخادم: «تناول الغذاء عبر عينيك، أغلق فمك واجترّ كتَل الفهم. إن المرء يسمن كثيراً من الحمية الورقية هذه».
لنصوص الأدب حرارة ونكهات سرِّيّة، تُقدَّم بين السطور، تجعل القارئ الجيّد كمتذوُّق الأطعمة المحترف؛ لا يأكل إنما يتذوَّق الأسرار على مائدة مريحة!. وحرارة النصّ، التي من غيرها لا يوجد نصّ، في النتيجة، كما يقول «رولان بارت»(4)، ترضي القارئ، بممارسة مريحة للقراءة تملؤه غبطة. إن القرّاء الشرهين، في هذه المأدبة، من يقلِّبون شفاههم لتذوُّق الكلمات، قرّاء يلتهمون ويتحدَّثون؛ عن مذاقات وتأمُّلات تلذُّذية تربطهم بالنصّ وبالعالم، عن لذَّة النصّ؛ «تلك اللحظة التي يتبع فيها جسدي أفكاره الخاصّة»(5).
لذَّة النصّ، أمْ نصّ اللذَّة؟ في الحالتين، لا يتعلَّق الأمر- بالضرورة- بذلك «النصّ الذي يحكي الملذّات. وإن نصّ المتعة لم يكن، قطّ، ذلك النصّ الذي يروي المتعة». كلّ الجهد، في كتاب «بارت»، انصبَّ على التمييز بين الاثنَيْن. هل يمكن لتذوُّق النصّ أن يكون بمنزلة متعة مادِّيّة؟ النصّ موضوع للَّذَّة، ولا يمكن إثبات العكس. مع بارت، أصبح النصّ من «لذائذ» الحياة مثل (الطعام، اللقاء، والصوت…)؛ وبهذا تمّ إلحاقه بشهواتنا. لكن، ماذا عن «التعارض الكاذب بين الحياة العملية، والحياة التأمُّلية؟، سؤال يتركه بارت عالقاً في ثنايا التأويل، والتجربة الشخصية.
ينطوي تذوُّق جملة، في رواية ما، على لذّة ثقافية، بالأساس؛ بحيث تشكِّل المقياس الوحيد لقيمتها، ولديمومة النصّ نفسه، بالشكل الذي يجعل اللذَّة القرائية، مع مضاعفتها أو العكس في حالات الترجمة، ذلك الانحراف الثوري والفردي للمتعة الجمالية؛ «لا يمكن لأيّ جماعة، ولا لأيّ عقلية، ولا لأيّ لغة فردية أن تتعهَّدها. أتراها تكون شيئاً محايداً؟ إننا لنرى جيّداً أن لذَّة النصّ شيء فضائحي: وليس ذلك لأنها غير أخلاقية، بل لأنها خيالية!»(6).
مرة أخرى؛ يضع قطعة من قلبه في الأكلة كلُّ طبَّاخ حقيقي، كذلك الأديب الجيّد. وعلى النقيض من ذلك، ثمّة حالة من الخيبة والقنوط تصل، إذا استعرنا تعبير الآمدي في كتاب «الموازنة» إلى «غاية القباحة والهجانة والغثاثة والبعد عن الصواب»، أليست أكلة بلا طعم ولا رائحة، أكلة لتسمم فردي وجماعي!. لكن، وبعكس الناقد، يملك متذوّق الأدب أحكامه الخاصّة، وإن كانت نابعة، في العموم، عن «هوى ساذج»، ومتراكم من ذكريات وقراءات يحتفظ بها المتذوّق الأدبي عن شغف. إنه اللقاء الآنيّ والساذج بين النصّ والقارئ، الذي يجعل ممارسة التذوُّق موعداً غرامياً بين الاثنين. في حالات عديدة، يحدث الانجذاب والتذوُّق؛ ليس لأن القارئ يشعر بالارتياح والطمأنينة تجاه كاتبه المفضَّل، بل بعكس ذلك تماما؛ تبرِّر «نانسي هيوستن» قائمة اختيارها «أساتذة اليأس» قائلة: «إنني أحبّ هؤلاء الكُتّاب بطريقة مختلفة، بعضهم أثير لديَّ، وبعضهم الآخر يرهقني أو يصيبني بالرعب».
هناك نقطة، من نافلة القول ذكرها هنا؛ فعلى عكس الناقد، وهو متذوّق بالضرورة، لا يعير القارئ اهتماماً للمنهج، وكأنه، بتذوُّقه غير المُمنهج يرغب في أن تستمرّ الحواسّ في حالة الانتشاء. إن النقد، كما نفهم من بارت، أراد أن يفسِّر ويحكم، فأوشك أن يضيع معنى المتعة الجمالية التي هي أساس التذوُّق.
المتعة، اللذَّة، التذوُّق… أحاسيس معقَّدة وتحمل في طيّاتها نقيضها. بطابعها المتراوح والمنقطع؛ «تكتفي بعرض علاقة مؤقَّتة وعابرة أحياناً بين الذَّات والموضوع، التلاقي المتعمَّد أو العرضي»(7). من هنا، يتبيَّن لنا، مع «بارت»، صعوبة أو عدم إمكانية إجراء نقاش بخصوص الأذواق.
غالباً ما يعرِّف النقَّاد الأدب بكونه تعبيراً عن الخيبة. وفي راهن التلقّي، وليس كما في ماضيه، يعرف الأدب المأساوي تراجعاً في الاستهلاك. هل لأنه قليل المتعة؟ لنقلْ، بعبارة «بارت»: «إن القارئ، اليوم، لم يعد يعتقد أن الوظيفة الأولى للأدب هي تجفيف الدموع»(8)، فانصرف إلى أدب التسلية والترفيه!؛ ذلك الأدب الذي، من الواضح أن قرّاؤه لا يرغبون في أن يبقوا معلّقين «بإرادة الوهم، والإغواء، والتهديد اللُّغوي، مثل سَدادة يحملها الموج».
إن نصّ المتعة، كما يصفه «بارت»، «هو الذي يجعل من الضياع حالة، وهو الذي يحيل الراحة رهقاً (ولعلّه يكون مبعثاً لنوع من الملل)، فينسف- بذلك- الأسس التاريخية، والثقافية، والنفسية، للقارئ، نسفاً، ثمّ يأتي إلى قوّة أذواقه، وقيمه، وذكرياته، فيجعلها هباء منثوراً. وإنه ليظلّ به كذلك، حتى تصبح علاقته باللُّغة أزمة»(9).
متسائلاً عن أيّ نوع من العلاقة يمكن أن تقوم بين لذَّة النصّ ومؤسَّسات النصّ، شَبَّه «رولان بارت»، في موضع آخر من كتابه، لذَّة النصّ ببابل السعيدة. كان غرضه إثارة الانتباه إلى ما يمكن نعته بسياسة لنصّ اللذَّة، تنقل المتعة الجمالية من حقل النظرية إلى الحقل الاجتماعي. غير أن الواقع، في فرنسا، مطلع السبعينيات، كان أفضل من الآن، ورغم ذلك انتقد «رولان بارت» حال القراءة. أمّا في حالتنا العربيّة الراهنة، فمن السهل القول إن التذوُّق الأدبي لا يستهوي أحداً!
هوامش:
1 - لذَّة النصّ، رولان بارت، ترجمة: منذر عياشي (Le Plaisir du texte, Éditions du Seuil, Paris, 1973).
2 - الأدب في خطر، تزفيتان تودوروف، ترجمة: منذر عياشي.
3 - المرجع السابق نفسه.
4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - لذَّة النصّ، رولان بارت.
