2018/02/25

ألبرطو مانغيل.. أدراج القراءة


في مكتبة "بيغماليون" ببيونس آيرس، كان خورخي لويس بورخس رفقة والدته العجوز يقرّب الكتب من وجهه حتى يلامسها كما لو كان أنفه يستطيع أن يستنشق الكلمات. يذكر ألبرطو مانغيل أنه كان يعمل في هذه المكتبة بعد انتهاء المحاضرات، مكلفا بترتيب ونفض الغبار عن الكتب بل وسرقة ما أحب تملكه منها، ذات مرة سأله بورخس إن كان يقبل بأن يقرأ له.
في كتابه "تاريخ القراءة" يبوح بأنه وافق دون أن يدرك الامتياز الذي حصل عليه: "عندما كنت أقرأ على بورخس لم أكن أشعر قط بأنني كنتُ أقوم بواجب ملقى عليّ، بل إن هذه التجربة كانت تبدو لي بمثابة الأسر السعيد." ممارسة أخرى إلى جانب القراءة لبورخس، كان مانغيل سارد أفلام، وفي المهمتين ابتلي بتعليقات لم يفارقه ظلها في معظم ما كتب.
منشأ قرائي شيق بجوار كاتب عالي المخيلة، نفذت محصلته إلى ذاكرة عجيبة، لم يشتتها ركام الكتب، القراءة على بورخس رتبت كتبا جنب بعضها البعض في رف الكتب الوهمي الموجود في مخيلة مانغيل منذ الصبا، ومن غير انقطاع استمرت كاماسوتراه بين الكتب، حتى لنحسبه ماكينة قراءة تلتذ وتتداعى بين الرفوف. ومن إقامته في المكتبة موطنه الأرستقراطي، إلى سعة اطلاعه بسِيَر صداقاته الأدبية الواسعة، وجد مانغيل فجوة لنمط كتابة، غير مطروقة إلا لماما، كتابته عن مكتبته اتخذت من القراءة موضوع تأليف موسوعي، يمزج فيه المخطوطات والنوادر القديمة، بتاريخ الأدب والفن، منفتحا على مختلف بقاع المعرفة الإنسانية، بأسلوب متراوح بين سرد المقتطفات والموازنة بين أصحابها.
يروم مانغيل في تأليفه تذوق مؤلفات الماضي وتحيينها في مقابلات جدلية، فإذا جازت له فكرة كاتب يطابقها بمرونة مع أخرى، يقتاد المواقف إلى المفارقات والترادف، يتهكم بخفة على ما لا يوافق هواه ويترافع على ما يرغبه بتفتيش دقيق يسنده، مؤرخ مؤلفات، إذا جاز التعبير، تتراءى له الطبعات الأصلية من الحاملة لتقادم الزمن والمليئة بالأخطاء، والترجمات المزعجة، فلا يفوته النبش في المقروء لديه كلما دعت الضرورة التهكم أو إدانة المغشوش من الكتب: "وما كان بورخس لينزعج من مثل هذا الاعتبار: وهو الذي قال ذات يوم عن النسخة الإنجليزية لـ Vathek، من تأليف بيكفور، باللغة الفرنسية، بأن الأصل كان غير وفي للترجمة". وباقتباس إيحائي مرتين في آن، يقتطف مانغيل ما يوافق هواه، فيذهب تفكيره "إلى الأخلاقي المتزمت جوزيف جوبير الذي وصف شاتوبريان عادات المطالعة لديه: عندما يقرأ، يمزق من الكتب الصفحات التي لا تروق له، وهكذا أصبح لديه مكتبة لاستخدامه الخاص".
أن تكون الكلمات على ورقة يعني أنها العالم. يذكر مانغيل في كتابه غابة المرآة: "يقول بورخس مستشهدا ببيت الشعر لدى تينيسون حول الزهرة في جدار متشقق بأنه ما من واقعة، مهما كان شأنها ضئيلا، إلا وتربط معها التاريخ الكوني"، يتمم مانغيل ما تعمده نقصا مدسوسا بين قول بورخس واقتباسه، "ومن تم تأتي مكتبة بابل الشهيرة التي يطلق عليها بعضهم اسم الكون". في سياقات أخرى يدفع مانغيل قراءاته، تارة نحو تجاوز المعهود من الشروحات: "نحن نقرأ ما نريد أن نقرأ، لا ما كتب المؤلف. في دون كيخوته، أنا لست مهتما، بشكل خاص، بعالم الفروسية، بل بأخلاق البطل، وفي علاقة الصداقة الغريبة مع سانشو"، وتارة أخرى يلقي القناعات في مضمار المواجهة محتفظا بتفضيل شعري أو مذهبي لطرف على آخر مخطط له سلفا: "يعتقد اللّاما أن كل عائق في طريقه سيُزال من تلقاء نفسه، بينما كِيم يؤمن بأنه قادر على إزالته بنفسه، أو الدوران حوله. قرأت أمس في سيرة حياة ماكس برود أن كافكا كان يكره بلزاك، وقد انتبه مرّة إلى الشعار الذي نقشه بلزاك على عصاه: أنا أحطم كل عائق، عندئذ أضاف كافكا شعاره الخاص: كل عائق يحطمني".
يقصد مانغيل ما ينتقيه، أو يترك المصادفة للسياق بمراوغة تحيك الكلمات والمقتطفات دون استطراد، يوجز بمكرٍ خاطف ويُسلّط سمّ كتب بأكمالها بوخزٍ متقون: "من الممكن إيجاد علاقة ما بين الباذنجانة وجورج بوش وعلى هذا الأساس يمكن بالتأكيد إيجاد علاقة بين حرب الخليج ورواية لبوتزاتي - يقصد صحراء التتر-. قصة دروغو تروي أن شابا يعين في القلعة في أطراف ما يدعى بسهوب التتر، يستحوذ عليه هاجس أن يبرهن نفسه جندياً في معركة مع تتر لا يظهرون أبدا. دورغو يؤمن أن التتر موجودون، وهم يشكلون تهديداً. انه يحتاج أن يؤمن بوجود عدو. ما يحدث في رواية بوتزاتي يمكن تطبيقه على الواقع".
أسلوب مانغيل، في عمومه: توليد إشراقات معرفية وفضح ما بين السطور توءمان لتقنية واحدة، هي التنقل الفاخر بين الكتب والأسماء. تنقل، محسود عليه، يسترجع ويُحيّن، كما يؤصّل في غابة المرآة : " لقد أعلن ثورو، وهذا لافت للنظر، بأن الفعل القائم على المبادئ، والحصول على الحقوق وتطبيقها، من شأنه تعديل الأشياء والعلاقات. فالفعل هو في جوهره ثوري، ولا ينحصر كليا بأي شيء كائنا ما كان، وهو لا يكتفي بشقّ الدول فحسب، بل هو يشق الأسرة. وحقيقة الأمر أنه يشق الفرد، فاصلا في داخله الشيطاني عن الرحماني. وجيفارا الذي هو كما جميع المثقفين الأرجنتينيين في عصره، لابد أنه قرأ: (شق عصا الطاعة مدنيا)، كان على ما هو مفترض متفقا مع هذه العبارة المحرّفة عن القديس متّى".
"طالما أعلنت بأن الغاية الدائمة للأدب هي عرض أقدارنا"، مقولة بورخس التي ما فتئ مانغيل يسوغها محرضا قارئيه على القراءة في وصايا لا تنضب: "كلما اخترنا كتابا لنقرأه في السرير، مساءً، نشق أيضاً طريقاً بين تنبؤات الفردوس ووعود الجحيم"، "اقرئي كي تحيا، رسالة غوستاف فلوبير" فاتحة مانغيل في كتابه "تاريخ القراءة"، "القراءة مثل التنفس، وظيفة حياتية أساسية". لكن القراءة كما يريدها ماغويل مذهبا لفن العيش مقرونة عنده بالإيمان والثقة: إيمان بجهد طقوسي يشترط حس المتعة المراد بها، استعارةً، تحويل الكتان إلى خيطان من ذهب: فـ"تساعدنا الكتب التي نقرؤها على تسمية الحجر والشجر، ولحظة الفرح أو القنوط، ولهاث من نحب أو صفير طائر، بإلقاء ضوء التجلي على شيء مرئي أو محسوس، وبمخاطبة أنفسنا قائلين هذا قلبنا موضع التأمل، وتلك أمواج مسحورة، وهذا هو الإنسان الحزين عند المساء". وأما الثقة فحرص وانتقاء: "كل قراءة فيها تخريب ومعاكسة للتلفيقات، ففي مثل هذه الحالات، تقدم القراءة لنا العون لصيانة الانسجام في قلب السديم، على أن لا نثق في السطح البراق للكلمات، بل ننبش بحثا في الأعماق. من الخطأ أن نعتبر القراءة نشاطا قائما على التلقي والاستقبال لاغير، على العكس: فمالارميه يقول بأن من واجب كل قارئ أن يعطي معنى أصفى وأنقى للكلمات".
لا تكاد صفحة واحدة من مؤلفات مانغيل تخلو من عشرات الكتاب والمقتطفات، إنه بطبيعة ما يسرده غربال كُتب. في "يوميات القراءة" و"غابة المرآة" و"تاريخ القراءة" تحديدا، تصلنا حكاية حب ولهاني بالمكتبة. ألبرطو مانغيل يدرك أنه مروّج ميولات وزبدة مؤلفات حتى التخمة، ومهما تكن هذه الميولات، يبقى فضله المحمود تمجيد القراءة والتحريض عليها، وكتبه، بما تدخره من آلاف الكتّاب والكتب، يمكن وضعها على الطاولة دليلاً لا يخيب الباحث والقارئ معا.