"قال أبو عمرو بن العلاء: قِيل لنا يوماً: إنّ في دار فلانٍ ناساً قد اجتمعوا على سَوءة، وهم جُلوسٌ على خميرة لهم، وعندهم طُنبُورٌ. فتسوَّرنا عليهمْ في جماعةٍ من رجالِ الحيِّ، فإذا فتىً جالسٌ في وسط الدار، وأصحابُه حوله، وإذا همْ بِيضُ اللِّحَى، وإذا هو يقرأ عليهم دفتراً فيه شعر. فقال الذي سعى بهم: السَّوءة في ذلك البيت، وإنْ دخلتموه عثَرتم عليها! فقلت: واللّه لا أكشفُ فتىً أصحابُه شيوخ، وفي يده دفترُ علم، ولو كان في ثوبه دمُ يحيى بنِ زكريَّاء". (مقدمة كتاب الحيوان للجاحظ)
تضفي القراءة ضوءا على معارفنا، فيتراءى لنا أننا قادرون بشكل أفضل على التعبير عن أفكارنا وعواطفنا، وبشكل تراكمي تشق قراءاتنا طريقها إلى شعور بغبطة التكلم. في القراءة أيضا نكتشف إلى أي حد أننا في تماس مع الآخرين، وينتابنا شعور غريب عندما نواجه عالما يشبه العالم الذي نكتشفه لحظة القراءة، نموذج الحياة نفسه، رغبات واحدة، مصير متكرر، وكثيرا ما نتساءل أين كنا حين نرفع أعيننا عن صفحة، وأحيانا بعد شرود تعترينا ذروة خاطفة. مجرد كلمات مطبوعة في كتاب قادرة على استنساخنا، فنتمنى لو يطول حلم اليقظة هذا.
إننا نؤمن على حياتنا بالمعرفة على حد تعبير نيتشه: "أليست غريزة الخوف ما يدفعنا إلى المعرفة؟ أليست البهجة التي يشعر بها من يحصل على المعرفة بهجة الشعور بالأمن؟". وبناءا على هذا غدا العالم مرآة لتجارب وحقائق المعرفة الإنسانية، فنجد في تجارب الآخرين حياة مختصرة لحياتنا، لنتأمل استعارة أندريه جيد: "اعرف نفسك بنفسك! يا لها من قاعدة قبيحة وضارة! فكل من يبادر بملاحظة نفسه يتوقف عن النمو، ولو حاولت دودة الفراش أن تعرف نفسها جيدا لما أصبحت أبدا فراشة". أن تكون لكل قارئ قدوة دودة الفراش من المؤكد أن التحليق ينطوي على أجنحة بصرية، في نظر أوغسطينس العين بوابة الدخول إلى العالم، الحاسة البصرية هي الأهم، يقول اللاهوتي الإيطالي توما الأكويني، وبها نستطيع الحصول على المعرفة.
في عام 1781 وصف الفيلسوف والكاتب الفرنسي دنیس دیدرو الخطة الممتعة التي شفيت بها زوجته نانت من كآبتها: "بدأت أقرا عليها بالاعتماد على الوصفة التالية: تناول ثلاثة أقراص من جيل بلاس يوميا، وعندما ننتهي نبدأ بالشيطان على العكازتين وأعزب سالامانكا، بعد مرور بضع سنوات وقراءة مئات الكتب اكتشفت أخيرا أنها مفيدة للغاية ضد الكآبة". وصفة ديدرو هاته تتماثل مع بلسم هنري كينغ حين كتب بعد وفاة زوجته الشابة: "يا للخسارة لقد غادرت باكرا، وواجبي هو التأمل، تأملك، تأملك، إنك الكتاب، غرفة القراءة التي أبحث عنها، وإن كنت أشرفت على العمى". وهذا فرانسيس بيكون يضع مفهوما جديدا للأكل: "بعض الكتب يجب التلذذ بها، وغيرها يجب أن تلتهم، وأخرى تمضغ جيدا وتلتهم"، الشهية البصرية نفسها، نعثر عليها في نص مسرحية "من الحب من أجل الحب" للشاعر الانجليزي ويليام كونكريف (1670 - 1729) حين يقول الخادم: "تناول الغذاء عبر عينيك، أغلق فمك واجتر كتل الفهم، إن المرء يسمن كثيرا من الحمية الورقية هذه".
حين نلتهم الكتب بنهم يتحقق إشباع تقذف فيه حياتنا، وكثيرا ما نكون عنوانا متكررا لكتبنا المفضلة، وعندئذ فنحن نمتلكها بإصرار وحرص، وهذا جانب من علاقاتنا المريرة بالكتب، يعبر عنه هنري ميللر: "أحد الأشياء التي أربطها بقراءة الكتب هو الصراع الذي خضته من أجل الحصول عليها". وعلى هذا الحرص هناك كتب نحب أن نعينها ناطقة رسمية باسمنا، وهذه إحدى الحالات التي وقع فيها الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه وهو مقبل على ترجمة أعمال لويزه لابيه، فقد وجد فيها سيرته الطفولية البائسة، وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى كتب في إحدى رسائله "أنا لا أفكر في العمل بل فقط في استعادة صحتي تدريجيا بواسطة القراءة والتأمل". حتما ليس في مستطاع القارئ إلا أن يبحث عن مرآته في كتاب، إعلان التماهي هذا مأثور عند فرجينيا وولف: "القراءة فن معقد، الامتحان الأصعب لحواسنا كما نلمس كقراء، وفي المجمل فإن الكتاب الذين يمنحوننا جل ما عندهم يسببون لنا أزمة مع كبريائنا.. ليبقى الحكم معلقا إذ لا نعرف ما الذي سيأتي بعد.. وعليه ربما يبقى البحث عن النهاية مستمرا"، وعلى هذا النحو اتخذ سيغموند فرويد من فعل القراءة جلسة للتحرر من التوترات داخل أنفسنا حيث "ينطللق التلذذ الحقيقي الكامل بالعمل الأدبي.. إننا نقرأ لأننا نريد العثور على النهاية".
وإذ يبدو تاريخ القراءة هو تاريخ علاقتنا بها، فهو من الناحية الأدق تاريخ البحث عن الحرية، وهكذا بدأ ملكوت الكلمات الشاهدة على إرادة الحياة. إن ما جعل العبيد خلال مئات السنين يعرضون حياتهم للخطر هو تعلم القراءة سرا، مجرد التفكير في "شعب أسود" متعلم كان يبعث في مالكي الرقيق الخوف من احتمال عثور عبيدهم على أفكار انقلابية. مثل هذا الحذر مثلثه المؤساسات الدينية على مر العصور، ليس فقط في منع انتشار الكتب بين العامة بل في فرض نمط واحد من القراءة لا يخرج عن "كلام الله". وبشكل متلازم كان بعض العقائديين يصادرون التطور الذي حصل عند الانتقال من القراءة الجماعية بصوت مرتفع في الأديرة إلى القراءة الصامتة في المنازل وعلى الأَسِرّة؛ إذ أن القراءة الصامتة كانت حسب اعتقادهم تشجع على أحلام اليقظة وأنها مكمن الانزلاق في الشهوات الحسية، واعتبر الكتاب المقروء بصمت في غنى عن الاستفسار الفوري والمراقبة من قبل مستمع آخر، لذا فإن القراءة بصمت كانت تسمح بقيام اتصالات بعيدة عن شهود العيان، في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات الدينية تصب اللعنة على قراء "الهرطقة" الذين كانوا يعثرون في الانزواء مع الكتب غير الدينية فسحة للتحرر من قيود العصور الوسطى. ونتيجة لقلة الذين يحسنون القراءة في هذه الفترة فإن القراءات العامة كانت أمرا منتشرا، حتى أنها أصبحت شكلا من أشكال النشر.
وكما ارتبطت القراءة الصامتة بالانفلات من رقابة الأديرة، ارتبطت كذلك بتطوير اللغة بعد إضافة التنقيط والفواصل، ومن داخل الكنيسة نفسها كان القديس إسحق السوري يمتدح منافع القراءة الصامتة قائلا "إنني أتمرس على الصمت من أجل أن تملأني النصوص التي اقرأها فرحا وحبورا". وهكذا أصبحت القراءة والانفراد بالكتب مألوفا في حياة العامة، وبشكل ذائع مع اختراع الطباعة حيث عممت الكتب بعدما كانت محتكرة في طبقة الأرستقراطيين ورجال الدين. وابتدءا من القرن 14 أصبحت حيازة الكتب والأسرة الفاخرة مؤشرا على مكانة اجتماعية، وأضحت الأسِرّة والكتب ترهن ويوصى بها للعائلة، إلى أن أصبحت القراءة في التقاليد الفرنسية خلال القرن 18 نوعا من الإكرام للضيف في مقابل قلة الذوق لدى العائلة التي لا تمارس هذه العادة. كما انتشرت القراءة في السرير في هذه الفترة إلى الحد الذي جعل القس الفرنسي جان بابتيست دولاسال يحذر من الخمول الذي يبعث على ارتكاب المعصية وأوصى الناس بأن لا يحاكوا "أشخاصا يشغلون أوقاتهم بالقراءة في الفراش دون أن يكون ذلك بغرض النوم". أما معاصره الأديب الإنجليزي الساخر جوناثام سوفت فقد اقترح بأن الكتب التي تقرأ في الفراش يجب أن تعرض للتهوية. في حين أن هذا الموقف لم يكن يعني عند الفيلسوف الانجليزي جوفري شوسر سوى حرمانا من لذة القراءة التي عبر عنها في مؤلفه "الدوقة" بكون القراءة في الفراش أكثر متعة من لعبة الشطرنج.
وكما كان للقراءة أعداء باسم القيم الرسمية، كان لها أنصارها الذين فتحوا شهية الكتاب للقراء،
ومن بين ابرز المحرضين أوائل القرن 19 نجد رائد الحركة الترنسندالية الفيلسوف والشاعر الأميركي والدو إمرسون الذي كان يحث القراء بضرورة تبادل وجهات النظر حول الكتب، معتبرا أن القراءة مسألة خاصة وانفرادية محضة "إن الكتب تعبير سام عن ضمير العالم وتعني بالنسبة إلى حياتنا اليومية أكثر من مجرد التقويم السنوي أو الصحف اليومية، غير أنها يجب أن تقرأ موضوعة على الركبتين وأنت جالس في دورة المياه، وما تتضمنه من رسائل يجب أن تعطى أو تؤخذ بواسطة الشفاه ونهاية اللسان، بل من توهج الوجنتين والقلوب الخفاقة". وللروائية الأرستقراطية الأمريكية إيديث وارتون حكاية مع غرفة نومها، إذ وجدت فيها المهرب الوحيد من بروتوكولات القرن 19 حيث كانت تستطيع أن تقرأ وتكتب في سريرها حتى أنها احتفلت بأعياد ميلادها في الفراش في مراحلها الأخيرة، وكانت تسمي سريرها بمكان "الوحدة السامية". وفي عصرنا الحديث كتب بيتر هاندكه معبرا عن خصال القراءة الفردية في مسرحية كاسبار "دافع عن حقك بحملة ضد أخرى، صف كل شيء يعترض طريقك وأزحه عن الطريق، الاطلاع على جميع الأشياء، بالجملة تحول الأشياء إلى جملة واحدة، تستطيع تحوي جميع الأشياء إلى جملتك".
أما هنري ميلر فكانت افضل انزواءاته بالقراءة تحدث في دورة المياه، هذا المكان الهادئ المخصص لاستعمالات خاصة ومبتذلة، هو في الواقع بالنسبة له مكان "لجميع انشغالاته التي كانت تتطلب وحدة خالية من التشويش". لكن البوح الأكثر جنونا وخلاء ذلك الذي عبرت عنه الكاتبة الإنجليزية ماري شِلي "إن عاداتي هي أن أتعرى وأن أجلس على صخرة جرداء لأقرأ هيرودوتس إلى أن يتوقف العرق عن التصبب". وفي مكان آخر أكثر حميمية وشاعرية كان الروائي الفرنسي مارسيل بروست بمجرد ما تغادر عائلته المنزل في نزهة العطلة الصيفية، يلجأ إلى المطبخ، حيث أصحابه الوحيدين الذين يحترمون القراءة فقط "الأطباق الملونة المعلقة على الجدران، والتقويم الذي اقتطعت منه توا ورقة البارحة، والساعة والموقد.. ساعتان كاملتان قبل أن تظهر الطاهية"، خلوة بروست مع كتبه استمرت إلى أن كتب وهو في فراش المرض "إن الكتب الحقيقية يجب أن لا تولد من ضوء النهار الساطع ومن الدردشة في الحديث، وإنما من الظلمة والسكون"، وعلى خلاف هذا الانزواء قد يكون للخلوة معنى آخر نجده في اختيار الروائي ألان سيليتو أن تكون القراءة "عندما يكون المرء مسافرا لوحده في قطار، جالسا وسط جمهور من الغرباء، وفي الخارج تنتشر المناظر الطبيعية". ودون تحديد مسبق يشترط الشاعر ويستان آودن أن يتناقض الكتاب مع المكان الذي يقرأ فيه.
بين الأمكنة الأكثر خلوة إلى الأكثر غرابة أو اعتيادية، تعيش القراءة سيرتها بالتماس مع قدرتنا على التحرر والحلم بحياة أخرى في روح الكتب، وسواء قرأنا في هذا المكان أو ذاك، يبقى فعل القراءة تكريس للحرية والبناء المجتمعي.
