2018/04/19

الوصول الحر إلى مرحلة اللاقراءة!

في حواره مع فايدروس قال سقراط: «قال تحوت لتاموز: هاك أيها الملك معرفة ستجعل المصريين أحكم وأكثر قدرة على التذكر، لقد اكتشفت سر الحكمة والذاكرة»، فأجاب الملك: «يا تحوت يا سيد الفنون الذي لا مثيل له: هناك رجل قد أوتي القدرة على اختراع الفنّ، وهناك رجل غيره هو الذي يحكم على ما جلبه هذا الفنّ من ضرر أو نفع لمن يستخدمونه، والآن وبوصفك مخترع الكتابة، أراك قد نسبت لها عكس نتائجها الصحيحة بدافع تحيزك لها؛ ذلك لأن هذا الاختراع سينتهي بمن سيعلمونه إلى ضعف التذكر، لأنهم سيتوقفون عن تمرين ذاكرتهم حين يعتمدون على المكتوب، وبفضل ما يأتيهم من انطباعات خارجية غريبة عن أنفسهم وليس بما بباطن أنفسهم»/ (أفلاطون - محاورة فايدروس).
استهل إمبرتو إيكو بهذا الحوار مقالا له، لكن ما يهمنا هو تعليقه الأول: «ولكأننا بالفرعون يقول، وهو يشير إلى المساحة المكتوبة أولاً، ثم إلى صورة مثالية للذاكرة البشرية: «هذه ستقتل تلك»، ثمّ الثاني: «بعد مرور أكثر من ألف سنة، عرض علينا فيكتور هيجو في كتابه «أحدب نوتردام» القسيس كلود فرولو وهو يشير بإصبعه أولاً إلى كتاب، ثم إلى الأبراج فإلى صور كاتدرائيته المحبوبة، قائلاً: هذا سيقتل ذاك؛ سيقتل الكتاب الكاتدرائية، وستقضي الحروف على الصور».
تحدثنا الوثائق التاريخية عن اختفاء المسلات والألواح الطينية التي استعملها القدماء في الكتابة؛ هل يمكننا القول في أيامنا، وبدون أي شعور بالاستعجال: الإنترنت سيقتل الكتاب؟ واحد من أبرز أدباء هذا العصر، وهو ماريو بارغاس يوسا الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 2010، لم يتردد في التعبير عن استهجانه تجاه حلم بيل جيتس في وضع حد للورق، ومن ثم الكتب. ظن يوسا بأن جيتس يرى بأن الكتب الورقية أشياء عفا عليها الزمن، زاعماً أن شاشات الكمبيوتر قادرة على القيام بمهامات الورق، وأن نقل الأخبار والآداب إلى هذه الشاشات سيوقف تدمير الغابات وبالتالي سيكون هناك المزيد من الكلوروفيل في البيئة، وختم يوسا تعليقه: لو كنت حاضرا خلال خطاب جيتس، لتنازعت معه بقوة بخصوص تحليله؛ كونه قد أعلن بوقاحة نيته إرسالي أنا وزملائي الكتاب إلى خط البطالة! 
على الرغم من وعيه بالتطور التكنولوجي الهائل، واعترافه بالراحة التي توفرها الشاشات، إلّا أن يوسا أبدى تعجبه من السؤال: هل تستطيع الشاشة استبدال الكتاب؟ ومن القائلين بأن القراءة بالحواسيب يمكن أن تفي للقراءة الأدبية، وهي قراءة غير وظيفية من شروطها الحميمية والعزلة الروحية… ؛ أمور طالما منحها الكتاب الورقي بامتياز. 
في حالة اختفاء الورق سيعاني الأدب من ضربة مهولة، وربما مميتة؛ بهذه القناعة شبه الراسخة لا يتفاءل يوسا بمستقبل مجيد للأدب، بل وحتى في الوضع الطبيعي فإن كلمة «أدب» ستبقى، في نظره، مفردة دالة على نصوص بعيدة كلّ البعد عما دأبنا على تسميته بالأدب، «كبعد الأوبرا الصابونية (المسلسلات الدرامية الطويلة) عن مسرحيات سوفوكليس وشكسبير». 
في الجهة المقابلة، نعود إلى إمبرتو إيكو مجدَّداً، وهو من السباقين إلى تحليل أشكال التلقي الجديدة؛ كتب إيكو في مقالة: «كثيراً ما يدور في خلدي أن مجتمعاتنا سائرة نحو الانشطار في وقت قريب إلى فئتين من المواطنين: أولئك الذين يشاهدون التلفزيون، أي يتلقون صوراً جاهزة، ومن ثم، مفاهيم مسبقة عن العالم دون أن تتوافر لديهم القدرة على نقد المعلومات التي يلتقطونها والتي تكون قد اختيرت مسبقاً، وأولئك الذين يعرفون كيفية التعامل مع جهاز الحاسوب وانتقاء المعلومات، وهو الأمر الذي سيعيد الانشطار الثقافي الذي سبق أن وجد في عهد «كلود فرولو» بين الذين كان بإمكانهم قراءة المخطوطات، ومن ثم، نقد المسائل العلمية أو الفلسفية، وأولئك الذين تلقوا تعليمهم عن طريق صور الكاتدرائية المختارة التي قدَّمها لهم ساداتهم؛ أي الأقلية المتعلِّمة». 
على نقيض الخائفين على مستقبل الأدب، مجد إيكو شاشة الحاسوب واعتبرها بمثابة كتاب مثالي في وسع المرء أن يقرأ العالم عبرها، ويرى أنه إذا نجح الحاسوب في تقليص عملية نشر الكتب، فإن ذلك سيمثل أعظم تطور ثقافي. 
لا مجال لحصر الشواهد في هذا السياق، فالجدل بين الورقي والرَّقمي مطروح في الطرقات، لكن إذا حق السؤال: هل يفترض أن تصبح القراءة عبر الورق في عداد الماضي؟ فلا مفر من تهمة رهاب التِّقْنِيَة؛ ألم يَخَفْ الفرعون تاموز على من سيعلمون باختراع الكتابة من ضعف التذكر؟ وماريو بارغاس يوسا من موت الأدب وفقدان الحميمية والعزلة الروحية التي يمنحها الورق بل ومن إرساله وزملائه الكتاب إلى خط البطالة؟!… لقد انتصرت الكتابة على الصور والسرد الشفاهي، ثم انتصر الورق على المسلات والألواح… وفي كلّ مرحلة من تحوّلات وسائط الكتابة والتأليف والنشر كانت دائرة التلقي تتسع أكثر فأكثر، والمعارف والثقافة كان بوسعها مع مرور الزمن أن تشمل أكثر نسبة من أفراد المجتمع المتعطشين؛ ليس فقط إلى تنمية قدراتهم التعليمية، وإنما بات من طموحات القرّاء المشروعة رؤية ما يتعلمونه عبر الكتب يتحقق على أرض الواقع، ومن هنا، أصبح أنبل ما تنطوي عليه وسائط نقل المعرفة والآداب عبر العصور هو تلك الصلة الوثيقة بين قدرة هذا الوسيط على الانتشار السريع، وبالتالي تنمية القدرات النقدية، ومصالح الجمهور في حياة أفضل. من هذا المنطلق تقدم القراءة الإلكترونية نفسها على أنها في متناول الجميع، وأنه لا يستحيل البحث في الشبكة على ملايين العناوين في ثوان؛ فأن يكون العالم بمتناولنا، وأن نستطيع القيام بكلّ شيء واستقبال كلّ شيء وإرسال كلّ شيء بطرف أصابعنا، يولد شعوراً بالأمان، وإذا أضفنا إلى هذه الأفضال الثورية إمكانية إنشاء المجموعات الاتصالية فإن عمليات النسخ والتحويل والمشاركة والتعليق تتسع إلى أبعد مدى. 
في زمن الوسيط الرَّقمي الأكثر سرعة ونفاذاً، يعرف القاصي والداني ما الذي أتى به الكتاب الإلكتروني؟ وبما يمتاز قارئ الوسائط الإلكترونية؟ إذ بإطناب ممل، يمكن لأي مستخدم أن يستعرض تجربته الشخصية في التعليق على كتاب منشور في منصة إلكترونية، أو التباهي بتبادل رسائل مع كاتبه المفضل. كما يمكن أن يخبرنا قارئ لم يعش تجربة امتلاك مكتبة في غرفته، بأن شركة أمازون أضافت خاصية الحبر الإلكتروني، لتجعل القارئ على جهاز «كيندل» يشعر بحميمية الورق الحقيقي… فضلاً عن كون القارئ لا يكتفي بقراءة ما هو مرقون على الشاشة، وإنما بإمكانه في اللحظة نفسها السباحة في تيار من المحتويات المتدفقة. كذلك فإن القُراء يفضلون الكتب الإلكترونية لسهولة الحصول عليها والاحتفاظ بها ومشاركتها، وبإمكانية البحث فيها، والاقتباس منها، والتلاعب بحجم النص والصفحة. كما توفر بعض التطبيقات استخدام قاموس أو مترجم للبحث عن مفردات للكلمات أو مقابلها بلغة أخرى، وكلّها إمكانيات لا يوفِّرها الكتاب الورقي. لكن واقع الأرقام والتكهنات لا يخفي الشمس بالغربال؛ فالتخمة التي يشعر بها القارئ الرَّقمي بادية للعيان، ولا عجب أن تتشابه حالات التأفف أمام هذا الطوفان الرَّقمي من الكتب، وفي المحصلة هناك حقيقة يمكن تأكيدها من طرف غالبية القرّاء، تتمثل في أن الوسيط الرَّقمي قد غيَّر جذرياً فنّ القراءة وعاداتها. 
هل باتت أيام القراءة التقليدية معدودة؟! خلال السنوات الأخيرة، وعلى إثر الفتوحات الرَّقمية المتسارعة، تصدرت أخبار إغلاق بعض الصحف والمجلات العالمية عناوين وسائل الإعلام، ويفترض خلال هذا العام أن تفوق مبيعات الكتب الإلكترونية نظيرتها المطبوعة حسب تقارير متطابقة من الشركات المتنافسة؛ على رأسها آبل وغوغل وأمازون… هذه الأخيرة، المتهمة بتدمير صناعة النشر، تفاجئنا في الوقت نفسه بافتتاح أول مكتبة للكتاب الورقي في سياتل، بينما تذكر غوغل أنه قبل حلول سنة 2020 ستكون قد رقمنت حوالي 129 مليون كتاب أصلي! 
لنعد، مرة أخرى، إلى ماريو بارغاس يوسا، الذي نزع روح النص الأدبي عن الحواسيب؛ ماذا سنفعل بكلّ هذا الكم من الكتب المخزنة على الشبكة، والتي ستخزن في المستقبل؟ إن افتراض جواب مقنع لمثل هذا التساؤل، قد لا يقدِّم ولا يؤخِّر في سيرورة الأشياء، في المقابل سنكون معنيين أكثر داخل الحقل الأكاديمي، بالبحث عن إعادة تعريف أطراف المعادلة الأثيرة؛ القارئ النص ولما لا حتى المؤلف، تلك المعادلة التي طالما انشغلت بها نظريات التلقي. أين يقع النص الأدبي، هل بالضرورة داخل وسيط معين، أم أنه في ذات القارئ نفسه؟ سؤال بديهي يمكن أن تكون له إجابة بديهية إذا ما افترضنا أنه سؤال في محله! غير أن ما هو بعيد عن البداهة هو طرح أسئلة في حلة غريبة: هل تحل التكنولوجيا محل الناقد!؟ هل سيتوقف الناقد عن لعب دور المرشد الأدبي، أم أن عصر التطبيقات الخوارزمية سيضع حداً لمنجزاته؟! 
ترفع المنصات الرَّقمية شعار التواصل والمشاركة، آخذة في الحسبان مصلحة الربح من التفاعل البشري، فمن الواضح أن النص الرَّقمي كشأن الصورة والفيديو، يقع ضمن الأهداف الثقافية الربحية، ومن ثم لزم التفاعل بين النص والقارئ في أقصى حدوده، وبقدر الحاجة في رفع مستوى هذا التفاعل يتم تطوير الوسيط الرَّقمي وتحديثه باستمرار ليكون أكثر توجيهاً وتحكّماً في رغبات القارئ وتفضيلاته وضبطاً لنشاطه الإلكتروني. في المقابل لا يتوفَّر الناقد الأدبي كوسيط تقليدي في تمجيد الأعمال الأدبية، إلّا على نزر يسير من إمكانيات التوجيه والدعاية والتفضيل، وبالتالي استهداف القارئ، الشريك الرئيسي في عملية التواصل، والذي يزعم بفضل الوسائط التي يعتمدها أنه قادر على التمييز بين الأعمال السيئة والجيدة دون الحاجة إلى رأي الناقد الأدبي الذي، وبطبيعة الحال، لا يتمنى وضعا كهذا، فهو مثل يوسا لا يرغب أن يرسل إلى خط البطالة! 
يمتلك القارئ المتصل فنّ استخلاص كلّ فائدة من الإنترنت، وفنّ الإبحار على الشبكة فنّ قائم بذاته، قد يوازي فنّ الكتابة ذاتها، إذا صح لنا تحوير تعريف فنّ القراءة بمعناها الكلاسيكي الذي وضعه هنري ميللر (1891 - 1980)، وفي اللحظة نفسها ثمة مرحلة يتوقف فيها هذا التعريف عن عمله؛ إنها مرحلة اللاقراءة، أو نهاية القراءة وبداية شيء آخر؛ ذلك أن القارئ المتصل إما يبحث في عالم الشبكة عن احتياجاته، أو عن الأشياء التي يراد له أن يطلع عليها إما للترفيه والمتعة، أو للدعاية والاستهلاك… 
عند هذه النقطة، أي مرحلة اللاقراءة ينقلنا سياق الكلام إلى قبضة الشبكة؛ هنا تحديداً تخفي الشجرة الغابة! حين نصطدم كقرّاء متصلين بمعلومات من كلّ حدب وصوب، يغيب شرط التجانس والمعيار القيمي الموجه لشروط القبول أو الرفض من قبل ملايين المتلقين، وهنا تبرز إشكالية التواصل العميقة في حين تبدو الهوية الرَّقمية للقرّاء مختومة بـ«الوصول الحر» وبـ«التفاعلية المعممة»… بالأمس، وعن طريق استخدام تقنيات محدودة، كانت الرسائل المتبادلة تعني جمهوراً متجانساً، أما اليوم فثمة انشطار ثقافي بين إسهام تقنيات الاتصال الجديدة في تكريس مبدأ الحرية، وفي الوقت نفسه صعود أيديولوجيات تقنية تولي التطبيقات مهام ضبط الجمهور المتصل وتعقب أثره؛ بتعبير آخر، هل فعلاً التهمت التقنية أبناءها من القرّاء؟!