نصادف في الأرصفة الكثير من الكتب التي توهمنا، بفضول، إمكانية تعلم مهارة ما في سبعة أيام دون معلم، كتاب "فن الحب" للمفكر والمحلل النفساني الألماني الأصل إيريك فروم يوحي عنوانه للوهلة الأولى أنه كتاب من هذا الصنف، لكنه في الحقيقة كتاب نقدي بعنوان مخادع، يعد فيه، المؤلف نفسه، الذين يتوقعون تعليمات ميسرة في فن الحب بخيبة أمل عميقة.
ليس غريبا أن يحمل الكتاب هذه الخيبة، إذا ما استحضرنا فلسفة فروم، المتسمة بنقد بنية المجتمع الصناعي المعاصر، انطلاقا من الماركسية والتحليل النفسي، ولأنها بنية مستلبة ومتحكمة في طباع الأفراد وقيمهم الروحية، فإن تمظهرات الحب، محكومة بالندرة. غير أن موقف فروم ومنطلقاته، كما يقول محمد سبيلا، تتميز بعدم اتخاذه مواقف حدية صارمة" وإن كانت ضمن أفق مشروع مدرسة فرنكفورت "الرفض الكبير le grande refus"، بل إن فروم يدعو إلى "أنسنة هذا المجتمع وعلى تصريف طاقة الحب، في حين يتشكك معظم ممثلي النظرية النقدية في إمكان ذلك ويرون استحالة السعادة في هذا المجتمع".
يصف فروم في "فن الحب" سعادة الإنسان المعاصر بكونها كامنة في هزة السرور التي تنتابه وهو ينظر إلى واجهات المحال التجارية، راغبا في جاذبية أكثر وفق موضة الزمن الحالي، وهكذا تسير علاقات الحب على خطا النماذج والأسواق، إلى حد شك فروم في مقدرة الحب عند الفرد على التطور إيجابا في ظل أفق ثقافي يحدد مسبقا نمط المتع والتسليات... ويجعل الفرد من سباق التملك والتبضع ليس فقط استجابة لعروض الرأسمالية بل يجعل ذلك نموذج حياة سعيدة.
ويتساءل فروم كيف يتمكن الإنسان السير في شبكة التوافق والنمط الجاهز من عدم نسيان أنه إنسان، شخص فريد، منح وحده فرصة واحدة ليحيا هذه الحياة، بآلامها وخيباتها، بالحزن والخوف، بالتوق للحب والهلع أمام الفناء والعزلة؟. فن الحب بما هو فن حياة في تقييم فروم أصبح ثانويا في المجتمع الرأسمالي المنظم لكل العلاقات الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية، حيث تتحول طاقة الانسان وقواه الروحية إلى استثمار يجب أن يجلب له أقصى ربح ومكانة وسلطة.. وهي غايات يعتبرها خارجية وليست داخلية، وفي مجملها طرائق للخروج من عزلة كائنات أضحت آلات غريبة عن بعضها، وهي في نفس الوقت تسعى إلى الاستهلاك تلبية لقاعدة: لا تؤجل تلبية الرغبة أياً كانت، إذ حتى "الفعل الجنسي من غير حب لا يمكنه أن يمد جسرا فوق هاوية تفصل كائنين سوى للحظة قصيرة".
عندما يتحدث فروم عن الحب، يوقعنا في احتمالين: إما أن نعني بالحب إجابة ناضجة عن مشكلة تحقق وجودي، وإما أننا فقط نتحدث عن صيغ ناقصة للحب، يمكن تسميتها "اتحادا تعايشيا"، من أمثلة هذا الاتحاد الزواج السعيد، الموصوف بالنموذج السليم عند محامي الزواج، حيث على الزوج أن يفهم زوجته ويساعدها، وأن يبدي تودده بمناسبة شرائها فستانا جديدا.. وهي بالمقابل، يجب أن تفهمه عندما يعود إلى البيت متعبا ومشتتا.. بل تتفهم إذا نسي عيد ميلادها!
في القطب المقابل للاتحاد التعايشي الذي لا يسلم من وقائع الخضوع والتحايل، يقف الحب الفرومي اليوتوبي "الناضج"، كاتحاد يشترط الحفاظ على الاكتمال الشخصي، الفردانية باعتبارها مكانا لمتناقضتين، "كائنان اثنان يصبحان واحدا ويبقيان مع ذلك اثنين". عدا ذلك فإنه لا يكاد نشاط انساني يبدأ بهيام وأمال كبيرة ثم يتلاشى مثلما هو حال إخفاقات الحب، "لو كان الأمر يخص نشاطا آخر غير الحب لفعل البشر كل ما بوسعهم لتفهم أو تفادي الإخفاق".
من أجل تحقيق هذه الكينونة، أو من أجل امتلاك ناصية فن الحب، يقترح فروم في برنامجه الفلسفي، متطلبات يحددها في الإنضباط، التركيز، الصبر، الاهتمام. بالنسبة للانضباط، ينتقد فروم وضع الانسان المعاصر المرهون بثماني ساعات في اليوم منضبطة من العمل، وعندما لا يعمل الفرد يريد أن يستريح، أن يسترخي بكسل، كرد فعل على نظام الحياة الصارم، ويأخذ عصيانه صيغة التهاون الطفولي مع ذاته، فتصبح حياته أكثر فوضوية وأقل تركيزا. لذلك فتعريف الانضباط الفعال يجب أن يتجاوز قواعد مفروضة من الخارج، وأن يصبح تعبيرا عن إرادة خاصة تنظر إلى النشاط الانساني على أنه ممتع. وفي تعلم التركيز يشترط فروم تدرب الأفراد على الانفراد بذواتهم من دون منبهات أو تسلية، أن نكون قادرين على التركيز يعني أن نستطيع البقاء منفردين بذواتنا. وتلافي الأحاديث المبتذلة قدر الامكان، يعني التركيز أيضا في العلاقات مع الآخرين المقدرة على الاستماع ويعني كذلك العيش تماما في الحاضر لا في تخمينات الواجب فعله مستقبلا. أما الصبر فيعتبره صعب المنال في عصرنا السريع، ذلك أن الفرد المعاصر يظن أنه يضيع الكثير من الوقت إذا لم يعمل بعجالة، إلا أنه لا يعرف ماذا يفعل بالوقت الذي وفره، سوى أن يقتله. بينما تتجسد المقدرة على الاهتمام بتجاوز النرجسية ورؤية المحبوب بشكل ينآى بالرغبات والمخاوف جانبا، شرط الفاعلية يتحقق من هذه الزاوية كمظهر اهتمام فعال وشامل لجوانب الحياة، بحيث لا يستقيم الحب بأن تقسم الحياة إلى كونها بناءة في الحب وغير بناءة في مجالات أخرى، إن استعراض فن الحب عند فروم يتجاوز المجال الشخصي إلى سمات ومواقف وثيقة الصلة بالمجال الاجتماعي. تفترض هذه "الكينونة" تحويل نظرة الشخص إلى العالم "إذا كنت أستطيع أن أقول لشخص ما: أنا أحبك، أنا أحب بسببك العالم كله. أنا أحب فيك نفسي ذاتها".
تسعف أفكار فروم (1900 - 1980) في فن الحب وفي مجمل تشخيصه السوسيواقتصادي وفلسفته ذات الملامح الاشتراكية والنزعة الانسانية القديمة والحديثة المستوحاة من تعاليم بوذا، والقديس أوغسطين، ومن تحليلات ماركس، وبخاصة من سيد الصوفية الألمان إيكهارت، تسعف كما أشار إلى ذلك محمد سبيلا "في تصور إمكانية الإفلات من إكراهات المجتمع الحديث، مجتمع الإنتاج، والوفرة، والاستهلاك، والمتع الحية، ولكنها في نفس الوقت تكاد تبدو أقرب إلى الحلم أو اليوتوبيا بعيدة المنال". كما أن براديغم الانتاج وفق الفكر الماركسي لم يستوعب بما يكفي حسب هيدجر ماهية "التقنية" وانعكاساتها الاجتماعية والسياسية في تطوير مصير الأفراد وحريتهم وأملهم في حياة سعيدة.
