يعترف هنري ميلر بأن سيلين لقن الجميع درس الرواية في القرن العشرين. لكنه رغم كل هذا، بقي الأكثر إهمالا في الترجمات العربية للآداب الفرنسية.
لوي فردنان ديتوش، المعروف بسيلين، إلى جانب جيمس جويس وبروست، هم الثلاثة الذين روجوا لتيار الوعي في الرواية. سيلين، (نسبة إلى اسم جدته وقد اتخذه اسما أدبيا كي يتجنب شهرته كطبيب حين نشر أولى روايته "رحلة إلى آخر الليل" عام 1932، لكن الرواية التي جعلت اقتحامه عالم الكتابة بغرض معيشي وشراء مأوى، ستقول عنها سيمون دو بوفوار أنها شكلت مثالا للأسلوب الأدبي الذي يهاجم بافتتان وفوضوية)، وقد تركت "رحلة إلى آخر الليل" بصمتها في "الغثيان" عند سارتر، وجعلته يتخلى عما كان يسم لغته من أبهة، وعند كامو أيضا في "الغريب"، والاثنان صرحا بتأثرهما الشديد بشخصية باردامو في الرواية.
غاب أدب سيلين المؤلف من ثماني روايات، منها: رحلة إلى آخر الليل، موت بالتقسيط، المقتلة... ومقالات وأعمال مسرحية عديدة، كلها لم تنقل إلى قراء العربية طوال عشرات السنين، غياب يرجح إلى صعوبة ترجمة أسلوبه، وكونه اتهم بمعاداة السامية أيضا، ذلك أن ولادة سيلين وفترته (1894-1961) هما زمن اشتعال قضية ديرفوس التي انطلقت من مسقط رأسه بلدة كوربفوا ضواحي باريس. لهذا التبرير، بالإضافة إلى عدم توفق الترجمتان، المصرية (2006) والسورية (2007) في التعريف بسيلين عربيا، وبعد خمس سنوات من الاشتغال، وثلاثين سنة من الاهتمام والشغف، يأتي كتاب "سيلين" الصادر عن دار الحوار في سوريا، ترجمة غازي أبو عقل، كي يضيء، عبر 446 صفحة، جوانب مهمة من حياة هذا الأديب الفرنسي وسيرته التي أفضت إلى نقلة نوعية في أسلوب الرواية الغربية، وفي هذه الترجمة ما يكشف تفاصيل اغتصاب وقار اللغة الفرنسية ونخبويتها الطبقية، كما يشهد المترجم غازي أبو عقل.
يشمل الكتاب أربعة كتب، الأول: "حياة سيلين"، وهو عبارة عن فصول مختارة من مؤلف فريديريك فيتو عن حياة سيلين، وهو كتاب من ألف صفحة، يسرد نشأة سيلين وسيرته. وفيه يحكي ف. فيتو: " قليلون من بين أكثر كتاب القرن العشرين أهمية، من هم مثل سيلين، نستطيع اعتبارهم ممثلين ومشاركين في أحداث زمانهم وشهودا هذيانيين على عصرهم. لم يفلت شيء من سيلين: لا الحرب العالمية الأولى، ولا اختلاجات الاستعمار واضطرابه، ولا أمريكا وزحف التصنيع إليها وبؤس ضواحي المدن الكبرى، ولا روسيا الستالينية، ولا الاحتلال النازي وسقوط الرايخ الثالث".
الكتاب الثاني "سيميلفايس"، الذي شكل محور رسالة سيلين التي نال بها درجة الدكتراه في الطب، وهي رسالة عن سيرة الطبيب المجري سيميلفايس كتبت عام 1924، والطريف في هذه الأطروحة الطبية، يشير غازي أبو عقل في تقديمه "أنها خلت تقريبا من المعلومات الطبية، ليحل محلها أدب غاضب جعل مؤلف كتاب "حياة سيلين" ف. فيتو يقول: "في بداية العام 1924، يخامرنا شعور بأن لوي ديتوش قد ضرب موعدا لسيلين... ذلك أن المزايا الطبية لهذه الرسالة تبدو لنا هزيلة نوعا ما... فهل كانت لجنة الحكم متساهلة جدا؟ أم أنها مؤلفة من أدباء سرتهم دراسة بمثل هذا التألق بالإضافة إلى خروجها عن المألوف؟"، وسيلين نفسه يقول عن رسالته بأنها كانت رواية طبية.
أما الكتاب الثالث الذي يقترحه المترجم هو"سيلين الفضيحة" الذي ألفه هنري جودار، أستاذ الأدب الفرنسي في السوربون، والمشرف على نشر روايات سيلين في سلسلة كوكبة كبار الأدباء عن دار غاليمار. وسيلين الفضيحة هو كتاب مرجعي يرسم فيه جودار بورتريه سيلين " الأديب والطبيب الثوري والماضوي في آن، العنصري والشفيق الحنون، صاحب الصوت الزاعق والصامت والشعبي والمتصنع المتكلف الجامح المخيلة حتى الهذيان، الواضح الرؤيا إلى الحد الأقصى والقائل: لا حرارة للروح إلا تلك التي يولدها لغزها الخفي". وتأتي أهمية هذا الكتاب اعترافا بإسهام سيلين في التعبير عن سنوات القرن العشرين، بالشكل الذي يصفه جودار بكونه كان الأقدر على تجسيد أوربا الغربية أدبيا.
ويختم المترجم كتابه بترجمة نص حوار إذاعي مطول أجراه روبير سادول سنة 1955 في إذاعة سويسرا الناطقة بالفرنسية، وهي مقابلة ساد الظن بفقدانها، إلى أن كشفت عنها المجلة الأدبية الفرنسية في شهر أيلول/ سبتمبر من العام 1990.
حول لوي فردنان ديتوش "سيلين" عثر فرنسوا جيبو على صيغة جميلة وصف بها سيلين "رباه برجوازيون، في بيئة شعبية، على مبادئ أرستوقراطية، بوسائل بروليتارية". ورغم أنه غادر مبكرا مسقط رأسه، بلدة كوربفوا ضواحي باريس، إلا أنه اعتبر نفسه دائما واحدا من أبناء تلك البلدة، كوربفوا كما نقرأ في "حياة سيلين" كانت له بطاقة الزيارة التي يقدم بها نفسه. وهي الزمن المتصور والمتخيل، الزمن الطوباوي بعد تحولات كوربفوا من قرية قديمة إلى فريسة للعاصمة الفرنسية التي يتهمها سيلين بالتهام نهر "السين" حيث كل شيء ينادي النهر: "قوارب الشحن كلها الموجودة على النهر والمدينة كلها، والسماء والريف، ونحن اصطحبناها كلها.. السين أيضا أخذ معه كل شيء وانتهى الأمر، بهذا المشهد يختم سيلين روايته "رحلة إلى آخر الليل"، لتبقى كوربفوا زمنا ثابتا يقدم سيلين شاهدا على مستنقع البورجوازية وزحف الصناعات الكبرى التي أطاحت بالمجتمع الريفي وعصفت به نحو هاوية الإشكالات المجتمعية والتناقضات الأكثر قتامة، والتي لم يكن بوسع سيلين إلا أن يتعامل معها بفكاهته السوداء، الطريقة القاسية والمرة، واليائسة أحيانا للتعامل مع سخف الدنيا ولا معقوليتها كما سجلتها كتابات سيلين.
