2013/10/21

ذَرّة الملح «ليس الفكر إلا الهزل متطايراً»


كان ابن المعتز (861 - 908) سبّاقاً إلى تصنيف الهزل في كتابه «البديع» ضمن فنون القول تحت قاعدة (هزل يراد به الجدّ). لكن الهزل بالرغم من كونه إحدى منجزات العقل، فإنه لا يحتاج إلى إثبات منطقي. وفي المقابل غالباً ما تتطلب الجديّة قدراً من البراهين. إنهما كقطعتين مغناطسيتين في وضعية تنافر: كلما كثرت الجديّة قلَّ الهزل،ويحصل العكس. كما يتداخلان بالصورة التي وصفها عالم الفيزياء الألماني فيرنر هايزنبرغ (1901 - 1976): «هناك أشياء جادة لدرجة أن المرء لا يسعه إلا الضحك عليها».
تقترن الجدِّية بالموضوعية، وإذا جاز تقويض هذا الاقتران فالسخرية بتعبير غوته (1749 - 1832)، ذَرّة الملح التي تجعل ما يُقدَّم إلينا مستساغاً. وقد ضاعف هنري برغسون (1859 - 1941) في كتاب «الضحك» كمية الملح بتعريفه الفكر «ليس إلا الهزل متطايراً»، ويجد هذا التعريف البرغسوني أصولاً له عند كيركيغارد (1813 - 1855) القائل بالتأويل الفلسفي الساخر في معرض حديثه عن علاقة محبِّي الجمال بالحياة، والقنوط الداخلي الخاص الذي تتغذّى عليه تأمُّلاتهم الهزلية.
كان دانتي (1265 - 1321) واحداً من محبّي الجمال العظام: قابل السخرية بالسخرية في ذروة محنه وعزلته، ولم يكن بإمكان ملحمته الشعرية «الكوميديا» أن تصوِّر الفقراء والأغنياء، الداعرين والقديسين، الأشرار والأطهار، الأبالسة والملائكة، وصنوف الويلات... دون نبرات التهكُّم والسخرية. ويعلِّق المترجم المصري حسن عثمان في تقديمه لترجمة «الجحيم» (النشيد الأول من كوميديا دانتي) قائلاً: «يظهر أن الذين يتعرضون للويلات والعذاب يصبحون أكثر الناس تهكُّماً وسخرية».
لِنلفّ حول نفس الفكرة ثانية: إن هنري برغسون، تحيلنا مقدمة كتابه إلى أنه حين يكتب عن الضحك وعلاقته باللامبالاة وبالسهو وبالجنون «إنما يفعل ذلك بعقل المفكر الحزين الذي يرى أن ساعة الأنس ليست خالية من نكهة مرارة تفرضها تراجيديا الحياة، ويتساوى في الشعور بهذه المرارة الفيلسوف، واللامبالي من الناس». على أن هذه المساواة تجد مسبِّباتها عند برغسون في صلة القرابة بين التفكير المفرط والهزل، وكون هذا الأخير يجد بيئته الطبيعية في اللامبالاة. لكن هذا التأصيل المبدئي الذي يصف مغامرة تأليف كتاب فلسفي عن الضحك لم يصدر عن برغسون دون شيء من الهزل! ذلك أن موضوع الضحك شغل بشكل جاد كبار المفكرين منذ أرسطو، ولم يستقر معرفياً كشأن الكثير من سلوكيات البشر التي استوعبها الحقل الفلسفي والتحليل النفسي. وهذا ما جعل برغسون، وهو بصدد الدفاع عن أطروحته، يشبه بنبرة هزلية خوضه في موضوع الضحك « بالتحدّي الوقح في مواجهة التأمّل الفلسفي». وقياساً على هذا التشبيه الهزلي «قلما يكون الدفاع ممكناً دون شيء من الهزل» كما يقول نيتشه. على أنه سيكون أمراً خائباً لو اعتبرنا كتاب برغسون كتاب تسلية، فتقديم الكتاب ينصحنا بتفادي ذلك.
مجتمعي وخاص بالضرورةيقر برغسون أن لا شيء هزلي خارج ما هو بشري، وإذ يبدو أن بعض الحيوانات قادرة على إضحاكنا، فإنها لا تفعل ذلك إلا بشرط تَضَمُّن حركاتها موقفاً يشبه مواقف البشر، وبالتالي يلاحظ برغسون أننا غالباً ما نستبعد هذه الملاحظة البسيطة والمغفلة التي ينطوي عليها التعريف المتداول «الإنسان حيوان يعرف كيف يضحك». ومادام الأمر خصيصة إنسانية، فإن برغسون يعمُّق بيئة الضحك، ويشترط في تحليله وضعه في وسطه الطبيعي الذي هو المجتمع حتى يمكن تحديد وظيفته المفيدة التي هي وظيفة اجتماعية بالأساس. ومن ناحية أخرى أن نضع في الحسبان كون الضحك هو نوع من التجاوب مع بعض متطلبات الحياة المشتركة. هذه إحدى الخلاصات التي تقودنا إلى التأمُّل وضرب الأمثلة. يمكننا مثلاً التمتع بشتى صنوف الآداب والفن وحدنا داخل غرفة، لكن قلما يحدث أن نضحك في غياب الآخرين، وحتى حينما يحدث فثمة آخرين خياليين. لفهم هذا الاقتضاء الضروري لوجود آخَر ما أثناء الضحك يقول برغسون: «كم من مرة قيل إن ضحكة المشاهد في المسرح تكون أعرض كلما كانت الصالة ممتلئة أكثر». بل وقد دفعه تبيان اقتران الضحك بحضور الآخر إلى القول بأن الضحك مهما بدا صريحاً، فإنه يخفي فكرة تواطئية مع الضاحكين الآخرين. ومن هنا، وقبل أن تنتقل الكوميديا إلى فن قائم بذاته، فهي متأصلة في الحياة الواقعية بحيث يستطيع المسرح أن يتبناها دون أن يغير فيها كلمة. وحتى «تعلُّق الهزل في غالب الأحيان بالآداب وسخرية المفكرين إنما هو في الأصل تعلُّق بأفكار المجتمع المسبقة». وثمة رسالة نقدية في الجانب الآخر أراد برغسون توجيهها وهو ينبه إلى دراسة الضحك في فضائه المجتمعي، مفادها أنه من الخطأ تعريف الهزل كفضول يتسلّى فيه الفكر. فهذا تعريف يبقي على غرابة الضحك وعزلته عن النشاط البشري.
هكذا تخيلنا، من خلال برغسون، كيف يمكن تطبيق تعريفه «ليس الفكر إلا الهزل متطايراً» على محن دانتي التي لم يكن ليستسيغها دون تهكُّم وسخرية. وطبقاً للوصفة التي وضعها غوته «السخرية ذرّة الملح التي تجعل ما يُقدَّم إلينا مستساغاً»، وجد برغسون إمكانية العثور على صلة قرابة بين التفكير المفرط والهزل، وكون هذا الأخير يجد بيئته الطبيعية في اللامبالاة. وإذا أمكننا الذهاب إلى هذه البيئة الخاصة، فحتماً لن تكون هناك خرائط، فبرغسون نفسه يقول إنه لمن المدهش أن نضحك، وإنه من الصعب تفسير هذا السرّ الصغير، سرّ الضحك. وكما يشعر المجتمع أنه في حاجة إلى التظاهر يجب أن يكون في الهزل شيء من التآمر الخفيف على المجتمع والسلطة.