«كما وضع مونتيسكيو كتاباً عن روح الشرائع أضع أنا كتاباً عن روح الملابس. فإن الإنسان لا يجري مع الشرائع العمياء لا في سن الشرائع ولا في خياطة الملابس» / تيوفلسدروخ.
في مستهل كتاب «فلسفة الملابس» لتوماس كارليل، (الهيئة المصرية العامة للكتاب 2001 ترجمة طه السباعي) جاء في تبرير الناشر: «إن للملابس والأزياء فلسفة، وإلا ما اهتم بها الأعداء، فسرقوا الطرز الفنية للتفصيلات والزخارف والنقوش الفلسطينية والعربية، ونسبوها إلى أنفسهم، وباعوها في أغلب الأسواق العالمية، ليدلوا على مدى تقدمهم في هذا الفن..» ويقصد إسرائيل.
لكن توماس كارليل في مؤلفه لم يخض في تحقيق من هذا القبيل. وإنما قدم كتاباً في مجمله مراجعة لكتاب عسكري ألماني سابق اسمه «دياجونيس تيوفلسدروخ» وقد كشف كارليل أنه كتاب لا مثيل له لا داخل ألمانيا ولا خارجها، بل ويعترف أن فكرة تأليف كتاب عن فلسفة الملابس لم تخطر على باله إلا لما اطلع على كتاب تيوفلسدروخ: «كتاب يلذ الباحث في العاديات كما يلذه في التفلسف، ويفيد طالب الأدب والتاريخ. آية من آيات الاقتدار والجرأة، وثقوب النظر والحدة، وأثر من آثار الألمانية المحضة». وبالرغم من اعتماد كارليل هذا المرجع الفريد، فإن مراجعته وقعت بين الاعتراض والثناء، في مطارح أخرى، على ما ذهب إليه تيوفلسدروخ، بل والخروج في كثير من السياقات عن جوهر ظاهرة الملابس والدخول في متاهات إنشائية لا تتصل بمبحث الكتاب ولا بغايته التأملية؛ فكأن كارليل (الأخلاقي) توخى بمراجعته معارضةً شكليةً لكتاب تيوفلسدروخ كأول ألماني يتخذ من الملبس موضوعاً للتفلسف، وأما مضمون ما كتبه تيوفلسدروخ فلم يسلم من التقويض الأخلاقي من طرف كارليل.
لنترك التقويض جانباً، مادام كتاب تيوفلسدروخ غير متوفر، كما أن اعتراضات كارليل تتأسس على خلاف مرجعي وأخلاقي. وحسبه أنه ضمن مراجعته كثيراً مما كتبه تيوفلسدروخ في مسألة الثياب.. ثم إن كارليل استغل كتاباً وأخذ عنوانه دون أن يتفلسف فيه. فما الذي أراده كارليل من تقويض كتاب ومدحه في نفس الوقت؟ ألتكون له الحصة الثانية من السبق؟ فيثير القراء بعنوان براق من قبيل «فلسفة الملابس» ألم يعترف كارليل نفسه بأن تيوفلسدروخ دشن مبحثاً غير مطروق، وذهب بالتلميح بأن المتأملين في الثقافة والعلم بلغوا شأوهم، لكن علمهم أعرض عن النسيج الثوبي الذي يحجب ما للإنسان من سائر النسج. بل لقد أعاب كارليل على الفلاسفة والمفكرين الإنجليز إعراضهم عن تأمل الثياب، لما حكموا ضمنياً بخاصيتها الفطرية، كما تتفطر الأوراق على لحاء الأغصان وكما ينبت الريش في أجنحة الطيور، وهي في الواقع ظاهرة عرضية.
هل يرجح أن كارليل سعى إلى توارد خواطر بينه وبين تيوفلسدروخ؟ فهو قبل أن يضمن ما ضمنه، وصف منبع محبرته قائلاً: جسمك الضئيل أيها الأستاذ، وأنت جالس هناك بين ركام الدفاتر والكتب في ثيابك المغبرة البالية تفني بياض أيامك في التفكير والتدخين. لقد كنت ترسل نظرك الثاقب في ألغاز الكون وأحاجيه فتبلغ من أعماقها ما لا يبلغه سواك، وكانت تتبلج لك أسرار الحياة عن معانيها المكنونة، وينكشف لك حجاب الغيوب عن مخبآته المصونة. نعم كانت فلسفة الملابس هذه مودعة في صدرك وكانت هذه الخواطر الغريبة تجول في ذهنك.
لنتأمل كيف يتحدث كارليل عن أفضال الملابس وغاياتها الاستعمالية لا عن فلسفتها: استطعت أن تمتطي ذلك الجواد الذي امتطيته، فتخرج به ولو في صبارة الشتاء.. عبثاً ما تلطم صدغيك عواصف الجليد، فإنها لن تلتقي إلا بطبقات الصوف الصفيق، وعبثاً تزمجر حولك الرياح وتقصف، وتتجاوب أصداء الغابات وتعزف، وتتكور الزوابع وتعصف.. فإنك لا محالة مارق في وسطها مروق السهم، تقتدح الشرر من قارعة الطريق.. الطبيعة كريمة ولكنها ليست أكرم الأكرمين، فهنا ينتصر عليها الفن. فن غزل الصوف يقصد كارليل.
يساعدنا هذا الكلام، وغيره كثير، على فهم مرجعية كارليل ذات الأصول الوصفية الإنجليزية. وهذا التقيد الدوغمائي من الطبيعي أن يتعارض مع طبيعة الفلسفة الألمانية العقلية/المثالية التي ينحدر منها تيوفلسدروخ؛ والشاهد على هذا أن كارليل لا يتردد في اتهام أستاذه الألماني بالزعم فيما ذهب إليه من تأصيل يمكن وصفه بالأتروبولوجي، ذلك أن: أول ما بعث الإنسان على ارتداء الملابس لم يكن طلب الدفء أو داعي الحياء وإنما حب الزينة؛ ولا غرو فإنه متى احتاج إلى الدفء وجد منه ما شاء إما في جهاد الطرد والعناء، أو بين الأوراق الجافة في شجرته الجوفاء.. والملبس للزينة اذا، بل لقد وجد بين الشعوب العريقة أن الوشم والطلاء أسبق عهداً من الملابس. فأول حاجة روحانية يشعر بها الإنسان المتوحش هي الزينة كما هو الواقع اليوم بين الطبقات المتوحشة في البلاد المتمدنة.
يعود كارليل ليخلط الأوراق ويرتبها على هواه، دون أن يخوض في جوهر ما طرحه تيوفلسدروخ: غاية الملابس الأولى كانت للزينة وليس للدفء! ألم يكن حريا بكارليل أن يقلب تاريخ الثقافة الإنسانية رأساً على عقب وهو يقف على هذه الجملة؟. لقد اختار كارليل مرة أخرى أن يكون طوطولوجيا، مكتفياً بالانطلاق مما بدأ به تيوفلسدروخ؛ (غاية الملابس الأولى كانت للزينة وليس للدفء) واصفاً إياه بالحماقة، ثم خاض مجدداً في تحصيل الحاصل: الملابس نشأت بادئ ذي بدء عن حماقة الشغف بالزينة وسرعان ما استفاد الإنسان منها مزيد الوقاية ولذيذ الدفء والحرارة، ولكن ما هذه بجانب غيرها؟ فالملابس هي المنشأ والمصدر لفضيلة الحياء، ذلك الهيكل الظليل المحجب الذي يضم بين جوانحه كل مقدس في الإنسان. والملابس هي التي جعلت لنا شخصيات مستقلة ومميزات نتفاضل بها وسياسة نجري عليها وصفوة القول إن الملابس هي التي تجعل الفرد منا إنساناً وهي التي تنذر اليوم بجعله مشجباً تعلق به ثياب وتعرض عليه الأردية.
الواضح، إن كارليل حور تساؤلات تيوفلسدروخ التأملية، وجرها إلى منطق الإجابات البديهية التي لا تفلسف فيها. ولأن التأمل لا يجابه إلا بتأمل مضاد، سقط كارليل في فخ تيوفلسدروخ الذي لم ينو تعرية الناس من ملابسهم كما شك كارليل في مواضع عديدة من كتابه وإن كان يستدرك مراراً مختزلاً جوهر كتاب تيوفلسدروخ عن فلسفة الملابس في تعريفات جاهزة، وكأنه باختزاله المهلك لكتاب تيوفلسدروخ خلط لب الكلام بقشوره، سالباً منه متعة السرد وغاية التثقيف.
قدم كارليل، من خلال مراجعته لهذا الكتاب، درساً في الأحكام المسبقة والجاهزة، وأخذ منه ما ارتآه لصالح أحكامه الأخلاقية، خاصة ما تعلق بمسألة الحياء: لقد أخذ تيوفلسدروخ على نفسه أن يشرح ما للملابس من الآثار الأدبية والسياسية والدينية، وأن يوضح غوامض تلك النظرية (فلسفة الملابس): وهي أن مصالح الإنسان في هذه الحياة الدنيا مترابطة الأجزاء متماسكة العري بفضل شيء واحد هو الملابس. وهو يعبر عن هذه الحقيقة بقوله: «بني المجتمع على الملابس، وتارة، إن المجتمع ليسبح في فضاء اللانهاية على الملابس كأنه سابح على بساط سليمان ولولا هذا البساط لسقط في أعماق الهاوية وغاله الفناء».
لكن توماس كارليل في مؤلفه لم يخض في تحقيق من هذا القبيل. وإنما قدم كتاباً في مجمله مراجعة لكتاب عسكري ألماني سابق اسمه «دياجونيس تيوفلسدروخ» وقد كشف كارليل أنه كتاب لا مثيل له لا داخل ألمانيا ولا خارجها، بل ويعترف أن فكرة تأليف كتاب عن فلسفة الملابس لم تخطر على باله إلا لما اطلع على كتاب تيوفلسدروخ: «كتاب يلذ الباحث في العاديات كما يلذه في التفلسف، ويفيد طالب الأدب والتاريخ. آية من آيات الاقتدار والجرأة، وثقوب النظر والحدة، وأثر من آثار الألمانية المحضة». وبالرغم من اعتماد كارليل هذا المرجع الفريد، فإن مراجعته وقعت بين الاعتراض والثناء، في مطارح أخرى، على ما ذهب إليه تيوفلسدروخ، بل والخروج في كثير من السياقات عن جوهر ظاهرة الملابس والدخول في متاهات إنشائية لا تتصل بمبحث الكتاب ولا بغايته التأملية؛ فكأن كارليل (الأخلاقي) توخى بمراجعته معارضةً شكليةً لكتاب تيوفلسدروخ كأول ألماني يتخذ من الملبس موضوعاً للتفلسف، وأما مضمون ما كتبه تيوفلسدروخ فلم يسلم من التقويض الأخلاقي من طرف كارليل.
لنترك التقويض جانباً، مادام كتاب تيوفلسدروخ غير متوفر، كما أن اعتراضات كارليل تتأسس على خلاف مرجعي وأخلاقي. وحسبه أنه ضمن مراجعته كثيراً مما كتبه تيوفلسدروخ في مسألة الثياب.. ثم إن كارليل استغل كتاباً وأخذ عنوانه دون أن يتفلسف فيه. فما الذي أراده كارليل من تقويض كتاب ومدحه في نفس الوقت؟ ألتكون له الحصة الثانية من السبق؟ فيثير القراء بعنوان براق من قبيل «فلسفة الملابس» ألم يعترف كارليل نفسه بأن تيوفلسدروخ دشن مبحثاً غير مطروق، وذهب بالتلميح بأن المتأملين في الثقافة والعلم بلغوا شأوهم، لكن علمهم أعرض عن النسيج الثوبي الذي يحجب ما للإنسان من سائر النسج. بل لقد أعاب كارليل على الفلاسفة والمفكرين الإنجليز إعراضهم عن تأمل الثياب، لما حكموا ضمنياً بخاصيتها الفطرية، كما تتفطر الأوراق على لحاء الأغصان وكما ينبت الريش في أجنحة الطيور، وهي في الواقع ظاهرة عرضية.
هل يرجح أن كارليل سعى إلى توارد خواطر بينه وبين تيوفلسدروخ؟ فهو قبل أن يضمن ما ضمنه، وصف منبع محبرته قائلاً: جسمك الضئيل أيها الأستاذ، وأنت جالس هناك بين ركام الدفاتر والكتب في ثيابك المغبرة البالية تفني بياض أيامك في التفكير والتدخين. لقد كنت ترسل نظرك الثاقب في ألغاز الكون وأحاجيه فتبلغ من أعماقها ما لا يبلغه سواك، وكانت تتبلج لك أسرار الحياة عن معانيها المكنونة، وينكشف لك حجاب الغيوب عن مخبآته المصونة. نعم كانت فلسفة الملابس هذه مودعة في صدرك وكانت هذه الخواطر الغريبة تجول في ذهنك.
لنتأمل كيف يتحدث كارليل عن أفضال الملابس وغاياتها الاستعمالية لا عن فلسفتها: استطعت أن تمتطي ذلك الجواد الذي امتطيته، فتخرج به ولو في صبارة الشتاء.. عبثاً ما تلطم صدغيك عواصف الجليد، فإنها لن تلتقي إلا بطبقات الصوف الصفيق، وعبثاً تزمجر حولك الرياح وتقصف، وتتجاوب أصداء الغابات وتعزف، وتتكور الزوابع وتعصف.. فإنك لا محالة مارق في وسطها مروق السهم، تقتدح الشرر من قارعة الطريق.. الطبيعة كريمة ولكنها ليست أكرم الأكرمين، فهنا ينتصر عليها الفن. فن غزل الصوف يقصد كارليل.
يساعدنا هذا الكلام، وغيره كثير، على فهم مرجعية كارليل ذات الأصول الوصفية الإنجليزية. وهذا التقيد الدوغمائي من الطبيعي أن يتعارض مع طبيعة الفلسفة الألمانية العقلية/المثالية التي ينحدر منها تيوفلسدروخ؛ والشاهد على هذا أن كارليل لا يتردد في اتهام أستاذه الألماني بالزعم فيما ذهب إليه من تأصيل يمكن وصفه بالأتروبولوجي، ذلك أن: أول ما بعث الإنسان على ارتداء الملابس لم يكن طلب الدفء أو داعي الحياء وإنما حب الزينة؛ ولا غرو فإنه متى احتاج إلى الدفء وجد منه ما شاء إما في جهاد الطرد والعناء، أو بين الأوراق الجافة في شجرته الجوفاء.. والملبس للزينة اذا، بل لقد وجد بين الشعوب العريقة أن الوشم والطلاء أسبق عهداً من الملابس. فأول حاجة روحانية يشعر بها الإنسان المتوحش هي الزينة كما هو الواقع اليوم بين الطبقات المتوحشة في البلاد المتمدنة.
يعود كارليل ليخلط الأوراق ويرتبها على هواه، دون أن يخوض في جوهر ما طرحه تيوفلسدروخ: غاية الملابس الأولى كانت للزينة وليس للدفء! ألم يكن حريا بكارليل أن يقلب تاريخ الثقافة الإنسانية رأساً على عقب وهو يقف على هذه الجملة؟. لقد اختار كارليل مرة أخرى أن يكون طوطولوجيا، مكتفياً بالانطلاق مما بدأ به تيوفلسدروخ؛ (غاية الملابس الأولى كانت للزينة وليس للدفء) واصفاً إياه بالحماقة، ثم خاض مجدداً في تحصيل الحاصل: الملابس نشأت بادئ ذي بدء عن حماقة الشغف بالزينة وسرعان ما استفاد الإنسان منها مزيد الوقاية ولذيذ الدفء والحرارة، ولكن ما هذه بجانب غيرها؟ فالملابس هي المنشأ والمصدر لفضيلة الحياء، ذلك الهيكل الظليل المحجب الذي يضم بين جوانحه كل مقدس في الإنسان. والملابس هي التي جعلت لنا شخصيات مستقلة ومميزات نتفاضل بها وسياسة نجري عليها وصفوة القول إن الملابس هي التي تجعل الفرد منا إنساناً وهي التي تنذر اليوم بجعله مشجباً تعلق به ثياب وتعرض عليه الأردية.
الواضح، إن كارليل حور تساؤلات تيوفلسدروخ التأملية، وجرها إلى منطق الإجابات البديهية التي لا تفلسف فيها. ولأن التأمل لا يجابه إلا بتأمل مضاد، سقط كارليل في فخ تيوفلسدروخ الذي لم ينو تعرية الناس من ملابسهم كما شك كارليل في مواضع عديدة من كتابه وإن كان يستدرك مراراً مختزلاً جوهر كتاب تيوفلسدروخ عن فلسفة الملابس في تعريفات جاهزة، وكأنه باختزاله المهلك لكتاب تيوفلسدروخ خلط لب الكلام بقشوره، سالباً منه متعة السرد وغاية التثقيف.
قدم كارليل، من خلال مراجعته لهذا الكتاب، درساً في الأحكام المسبقة والجاهزة، وأخذ منه ما ارتآه لصالح أحكامه الأخلاقية، خاصة ما تعلق بمسألة الحياء: لقد أخذ تيوفلسدروخ على نفسه أن يشرح ما للملابس من الآثار الأدبية والسياسية والدينية، وأن يوضح غوامض تلك النظرية (فلسفة الملابس): وهي أن مصالح الإنسان في هذه الحياة الدنيا مترابطة الأجزاء متماسكة العري بفضل شيء واحد هو الملابس. وهو يعبر عن هذه الحقيقة بقوله: «بني المجتمع على الملابس، وتارة، إن المجتمع ليسبح في فضاء اللانهاية على الملابس كأنه سابح على بساط سليمان ولولا هذا البساط لسقط في أعماق الهاوية وغاله الفناء».
خواطر تيوفلسدروخ
- يراد بالانتساب إلى زمرة الروحانيين، اكتساب هيكل مقدس، وفي اللباس الديني تتجلى القدرة الإلهية وتسطع فيه الآية السماوية. غير أن عبادة الثياب وهي على أجسام لابسيها لا تكون خالصة لوجه الثياب، بل بشيء من النفاق والخديعة لأن الجسم يتعدى في كثير من الأحوال على حقوق الثياب فيغتصبها ما كان موجهاً إليها. فمن أراد أن يجتنب الكذب فليعدل بعبادته إلى سبيل آخر ويعلم أنه سيجد في الثياب المنزوعة وجهاً صحيحاً لتلك العبادة التي تظل ملتوية معكوسة، ما دامت موجهة إلى الثياب الملبوسة. وكما أن العابد الهندي يعتقد أن بيت الإله لايقل عن الإله شرفاً وجلالاً، فكذلك فأنا أعطي الثياب وهي منزوعة من خالص الأعظام وصادق الإجلال، مثلما أبدي لها وهي على أبدان لابسيها، بل أزيد لها لأني في هذه الحالة لا أخشى على نفسي غروراً ولا غيري خداعاً.
- الملابس البالية كالقشور. لله در الملابس العتيقة! أية عظمة فيها وأي جلال، وأية مهابة وأي وقار! تتواضع في شرفها، وتتجمل في مجدها.. بحث لا نظر شرز، ولا همز ولا لمز، تقابل الدنيا برزانة وسكينة، وترقب الحوادث في هدوء وطمأنينة، لا تقتضي الناس شعائر الأعظام، ولا تفوت منهم مراسم الاحترام. تحفظ القبعة صورة الرأس وهيئتها. ويمتد كم الثوب، ويتدلى السروال في ارتياح وانسدال غير مشدود. وأظل أتأمل تلك الملابس في سكوتها وأتذكر كم شاهدت وكم باشرت من أفراح وأتراح، وشهوات ونزعات وفضائل ورذائل، وكل ما ينطوي عليه سجن الحياة من خير وشر.. اياكم وذلك الإنسان الذي لا يذوب قلبه خشوعا في حضرة الملابس البالية.
- المتأنق إنسان يابس الملابس، لا هم له ولا شغل، ولا غرض له ولا مأرب إلا لبس الملابس، فكل ملكة من ملكات عقله وروحه وكل موهبة من مواهب جسمه قد وقفت وكرست بشجاعة وبطولة على هذا المطلب الأوحد.. لبس الملابس بحكمة ولباقة، فهو يعيش ليلبس اذا كان سواه يلبس ليعيش.. حتى لتحسبه قد نزل عليه من الملابس وحي وإلهام، فهو شاعرها وصاحب فكرتها لا يقر له قرار إلا وفي صدره ما يجيش من خلجاتها.
