تقوم الثقافة بدور الثلاجة في المطبخ، تحافظ على طراوة المجتمع وباقي السياسات ويتحقّق هذا المفعول حينما يتحقّق للثقافة الشرط التداولي، ليس فقط محلياً وإنما على امتداد خرائط الثقافة العالمية. في وقت مبكر حقّقت الثقافة الاسلامية هذا لما كانت مُنخرِطَة في إنتاج المعرفة قبل ظهور ما نسميه الآن بـ«السياسات الثقافية». ونحن نشعر في الكثير من الوقائع بأن العالم يعرف تاريخ العرب، لكنه يختزل ثقافة حاضرهم أو يجهلها.
لا يمكن القول إننا توقفنا عن إنتاج المعرفة وإبداع الوثائق الإنسانية، لكن الإشكال في تسويق المنتوج الثقافي والتعريف به وجعله متداولاً بين الأمم. وإذا جاز التعبير؛ فإن أنبل الحروب هي التي تكون بمعارك ثقافية، حيث لا منهزمين ولا منتصرين غير الثقافة نفسها المُؤَسِسَة لمجتمعات السلم والحوار والاختلاف المؤنسنِ للأيديولوجيات والصراعات.
في حاضرنا، حيث على السياسة توفير أماكن ومسببات إنتاج الثقافة، فإننا لا نزال في بحث متعب عن ثقافتنا، ونتساءل كل مرة أين هي؟ في أي مكان توجد؟ وهل هناك اكتفاء ذاتي منها؟ هل هي قابلة للتصدير حتى نغتنم من عائداتها الحضارية؟ والحال أن الرصيد الثقافي بات اليوم ثروة وطنية تتصدّر مقاييس النمو قبل الدخل الخام والثروات الطبيعية. إن المقاربة التداولية للثقافة أساسها التعدُّد، والاعتراف بالتعدُّد هو الضمانة الطبيعية للحرية والإبداع. وإذا كنا من خلال الثقافة نتمثل الذاكرة والهوية بحيث تصبح لنا صورة تاريخية وخيالية يستحيل محوها لاحقاً، فإن البصمة الثقافية لكل مجتمع تكتسب مناعة الاستقبال والتلاقح دون أن تُصاب بداء الاستيلاب والتنميط الذي تشتهيه رياح العولمة.
هذه مقدمات يرددها الجميع، ويتفق حولها السياسيون والمثقفون، وكثيراً ما كانت عنوان بيانات طلائعية فردية وجماعية. واليوم، السياسات لا تنقصها المشاريع النظرية أو بيانات جديدة تدق نواقيس الحاجة بإلحاح، ولعلنا قد اكتفينا أو مللنا من ذلك. لابأس بالقول مرة أخرى بأننا تركنا مكتسباتنا الثقافية دون عناية، فبالأحرى التجديد من داخلها، خيال واسع لا يُمحَى لأن الذاكرة الثقافية وإن أهملتها السياسات فإنها تعيش في المخيال المجتمعي وتصير مستحثات إنسانية خامة، وتبقى على حالها الراكد ما لم تخرج من طقوسيتها ورؤيتنا الفلكلورية لها. ومن ناحية، هي الموضوع هنا، فإن أدب ثقافة ما لا يصير أدباً مكتملاً قابلاً للتأريخ العلمي والمختبري إلا حينما يكرس جزءاً مهماً من نصوصه من أجل بث الروح في المدخرات الرمزية لشعب من الشعوب. ولعلّ هذا التحدي هو واسطة العقد المفقودة في إبداعنا؛ ما لم نتخطى الوثيقة الاجتماعية إلى الخيال الأدبي المحض الذي يكتفي بنفسه، أدب (لازم وليس متعدياً) لا يحتاج إلى وقائع آنية بقدر ما يكرس هموم وأحلام الأفراد والمجتمع ويتجاوز متطلبات الاعتراف السريع والشخصي في بورصة سياسة الثقافة العالمية. والمنفعة من الثقافة عامة تكون باعتراف جماعي؛ شعوب تعترف بثقافة شعب يعترف بثقافة شعوب.
ولا بأس كذلك، في خضم الحديث عن السياسة الثقافية، والسؤال عن الجدوى من عدمها حين نسرب الثقافة داخل ما يمكن تسميته بالنظام الثقافي العالمي، من انتقاء ملاحظات وقصص هي غيض من فيض: إدوارد سعيد، عبد الفتاح كيليطو، ومحمد الدكالي.
دمج فوري!
كتب إدوارد سعيد (1935 - 2003) مقالة مهمة بعنوان «السياسة الثقافية» نشرت في الأهرام ويكلي بتاريخ 10 مايو/أيار 2000، وسجل فيها ملاحظتين: الأولى تنطلق من تأمل الإنتاج الأدبي خلال نصف القرن العشرين، حيث شهدت هذه المرحلة حراكاً فنياً مهماً في العالم العربي. يقول إدوار: «لم يكن هناك روائي عظيم غير واحد (نجيب محفوظ) وإنما سلسلة كاملة في التأليف والدراما والسينما والنحت والرسم والموسيقى والإنتاج الفني الهائل...» والملاحظة الثانية وهي استنتاجية عن الأولى خلص فيها إلى أنه: «رغم ذلك يشعر المثقفون العرب بعدم وجود اعتراف كامل في هذا الواقع الثقافي العظيم في بقية العالم...». يبرر صاحب «الاستشراق.. المعرفة، السلطة، الانشاء» بقوله: «يستخدم الغرب الأنكلوساكسوني والفرانكفوني ترجمات أغلبها رديئة وليس كلها، ومن الواضح (أنه لا يعرف) الكثير عن البيئة والتقاليد التي يعمل فيها الكتّاب والمثقفون العرب... هل يدرك العالم الغربي البيئة والتقاليد العربية بالشكل الذي يجعل تلقيه أدبنا وثقافتنا بالفهم الدقيق والموضوعي؟» وفي مقابل ذلك، وهو مبرر ثانٍ، يلخص إدوار سعيد الحالة العربية في «العداء الثقافي والديني الموجود بين الغرب والعرب وتاريخ الاستشراق ومشكلة إسرائيل وغياب أي سياسة ثقافية جادة للدول العربية والحالة البائسة للديموقراطية في العالم العربي والجهل المتبادل الصاعق بين الثقافات الذي يؤدي بكل منها إلى العيش لوحدها. كانت النتائج بالنسبة للعرب أن فهمت ثقافتهم بشكل رديء وبخست قدرها وهذا غير مقبول أبداً آخذين بعين الاعتبار تلك الأعمال الممتعة والأصيلة والهادفة التي أبدعها شعبنا في العصر الحديث».
لا شك بأن ما أورده إدوارد سعيد في المقالة المرجعية، يجعلنا متأكدين من إقراره بوجود ترجمات لائقة في دور نشر محترمة، لكنها متقطعة ومتفاوتة وغير منتظمة، وهو يحكم عليها من منطلق قراءاته كما يمكن أن نصادف ذلك بدورنا. والحالة نفسها متذبذبة في مثال آخر متعلق بالسينما، يعود إليه إدوارد ليخبرنا بأن الأفلام العربية لا تُعرض في مسارح لندن أو نيويورك بشكل مُتكرّر، وهذا واقع إلى اليوم. فالأفلام التي تجد لها صدى تقدم، كما يمكن أن نعاين ذلك في مهرجانات عالمية، لوناً محلياً عن فئة مجتمعية عربية قابلة للفهم في سياقات بنيوية وثقافية مختزلة في انتقاد الطابوهات وكشف أسباب التطرف الديني مثلاً، مع بهارات الجاذبية السينمائية الذي يضمن ما سماه إدوارد «مشاهدين أكثر كونية». هكذا نمتثل للكونية التجارية فنسمي هذا الفيلم فيلماً عالمياً!
وبذلك لن نتردد في دعوة إدوارد سعيد إلى حاجة «دمج فوري للإنتاج الثقافي العربي المعاصر»، ليس فقط في العالم الناطق بالإنجليزية، كما في المقالة، بل نضيف إليه كل لغات العالم وعليه بالضرورة أن يتسم باستيعاب التحديات وعمليات التطويق المتربصة من الداخل، كما عليه أن يكون منتوجاً ثقافياً مُنصفاً في تعدده وتمثيله وتمثله. سبب جوهري يحتم هذا الدمج الفوري، ولا ريب سببه، إذا جاز التعبير، عجز الميزان الثقافي؛ يقول إدوارد في مقالته: «ينظر للعرب إما كمشكلة أو كمرشحين محتملين لعملية سلام مشكوك بأمرها».
استحضر إدوارد أسماء عربية فعلت مثل نظرائها في الغرب «بنفس التأكيد الذاتي وبنفس الإحساس بالإنجاز، طالما ينظر إلى عملهم كعمل فني وليس كمنتج غريب لمجتمع شرقي أو شيء يحتاج إلى شرح وتبرير... مهندسات معماريات وفنانات وكاتبات دون أي مؤهل إلا أنهن عربيات... ربما كان السبب أنهن فنانات يعشن في الغرب واستخدمن لغته ولهجته... الحقيقة أنهن عضوات في المجتمع الثقافي الذي لم يخترقه الجيل العربي السابق سابقاً». والسبب بديهي؛ فما أحرزته أعمال منى حاطوم وزها حديد وأهداف سويف ومثيلاتهن من مقامات رفيعة يبرهن فعلاً كيف تخطين عقبات وضعت في سياسات أوطان يصفها إدوارد بسخرية أنها ترينا مدى نجاحنا حين تتوافر لنا الفرصة بعيداً. وهي حالة مرعبة تضعنا أمام قضية الثقافة كسياسة، قضية إثبات الثقافة كطريقة لتحقيق مكاسب سياسية، ويقصد إدوارد؛ الثقافة بوصفها مصيراً؛ فلا تزال القضية الفلسطينية قضية مغذية للهوية العربية والإسلامية ولمصير العدالة الإنسانية برمتها.
الآخر لا يهتم
وضع مؤسف ولا تزال الثقافة عندنا تتخبط فيه. حالة من الانعزال والانبهار في الوقت الذي يشكل فيه العرب أكثر الشعوب تحدثاً باللغات الأجنبية وأكثر قراءة واستهلاكاً للآداب والفنون العالمية. يذكر عبد الفتاح كيليطو في كتابه «أبو العلاء المعري أو متاهات القول» أنه عندما نشر «الكتابة والتناسخ»، وهو كتاب خصصه بعضاً من متنه للجاحظ، راسله أستاذ فرنسي يسأله: هل مؤلف البخلاء عاش فعلاً أم هو من ابتكاره ونسج خياله! ويعلق كيليطو: «لا أعتقد أنه كان يمزح تماماً، أو لنقل إن لهجة سؤاله يمتزج فيها الجد بالهزل. وأغلب الظن أنه قرأ اسم الجاحظ لأول مرة في كتابي، وارتاب في وجوده بسبب حديثي المطوّل عن الوضع والتزييف الأدبيين». بعد سنوات من توصله بهذه الرسالة، يخبرنا كيليطو بزيارة روائي ألماني المغرب، وعلى شرفه نظمت مائدة مستديرة، ساهم فيها كيليطو بورقة عن أبي العلاء المعري: «وعندما انفض الجمع، اقترب الروائي مني، وسألني بشيء من التردد هل المؤلف الذي تحدثت عنه -فضل عدم ذكر اسمه بسبب حرفي العين والراء - عاش فعلاً أم... لم يكمل سؤاله ونظر إليّ كالمستغيث. أوضحت له، بنبرة بيداغوجية، أن المعري شاعر عربي عاش ما بين القرن العاشر والحادي عشر الميلاديين، في بلدة سورية اسمها معرة النعمان، وأنه صاحب مؤلفات في مواضيع أدبية ولغوية مختلفة، وأن رسالة الغفران ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية، وكذلك منتخبات من شعره، ولكي لا يبقى أي مجال للشك ودرءاً لكل شبهة، ختمت بالإحالة على المقالين اللذين خصصتهما موسوعة الإسلام وموسوعة أونيفير ساليس لشيخ المعرة».
ويذكر أستاذ الفلسفة، المغربي محمد الدكالي في إحدى محاضراته، أنه في بداية التسعينيات شارك في مؤتمر بستارسبورغ وألقى كلمته التي تضمنت في سياقها قراءة بيت شعري للمتنبي، لكنه عِوَضَ أن يذكر اسم الشاعر الحقيقي قال للحضور من الأجانب: سأقرأ لكم بيتا لشيكسبير!، ولما فرغ من قول البيت وكان «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبه وأسمعت كلماتي من به صمم» استدرك عمداً: إنه ليس لشيكسبير وإنما للمتنبي، ثم عَلّقَ: خفت من ذكر اسم الشاعر صاحب البيت فلا يسمعون البيت الشعري لأنه لشاعر عربي. بهذا التحايل الظريف طلبوا من الدكالي ديوان المتنبي. وتحدث قصة واردة في حوارات صحافية عديدة فيما يشبه دغدغة للثقافة العربية، فما أن يسأل محاور عربي أديباً عالمياً: من تقرأ للكتاب العرب؟ حتى يكون الجواب في غاية الخيبة؛ روائي يستلهم عملاً كاملاً من الثقافة العربية لا يستطيع ذكر اسمين أو ثلاثة في الغالب.
