في وقت ما، حيث لم يكن في نيته أن يداهمه أحد مجددا، قال منصف الشرّاد للزائرة الغائبة منذ فترة: هذا مسكني الجديد، وليكن في حسبانك، قبل أن تُعيِّني مضيفك للوهلة الأولى، أني اقتسم هذا المنزل مع شخص اسمه زلزالو، أكون على استعداد لأقول بشأنه عند أي زيارة مباغتة لي: "ليس من شر أكبر من الفوضى"، وهأنذا أكررها في حضرتك حتى يتسنى لك معاينة مقولة سوفقليس هاته بالشكل الذي لا يستدعي المقارنة بين ما ترينه وبين ما اتخذناه عادة شعارا بلا أي وزر نظامي؛ اترك الأشياء تتحرك وفق سكناتك، وستجدها تستكن وفق حركاتك.
لم يكن بوسع الشرّاد أن يقتنع بعنوان آخر لما يحدث في منزله عدا "شر الفوضى" يقينا منه بأن ما يفعله زلزالو بجسارة لا يقل شأنا عن ضوضاء لانهائية في ورشة حدادة، فعلى إثر الدمار التدريجي اختفى المطبخ من البيت، أما بخصوص الصالون والحمام، فمازالت نظرته تتفاقم في وجه الشبه الذي تشكل بينهما، كما لا يستبعد اختفاؤهما في القريب العاجل، ولأنه فقد الأمل نهائيا في جدوى الكنبات، فقد تخلى عنها تدريجيا تمهيدا لتقبل اختفائها في أية لحظة.
وها هو بين الحسرة والغبطة بهذه الزيارة، فما كان ليتوقعها بعد آخر زيارة استنتج حينها عدم قابلية بيته لجلب أسباب العودة. انتبهت الزائرة إلى حالة الارتباك البادية على الشرّاد الذي استدرك بالقول: وكما ترين هذا بخاخ معطر أوتوماتيكي، وهذه سماعات احتياطية لتوهيم جلجلة تربو على التسعة أشهر. هناك في الزوايا بعض الديكورات وثلاث مزهريات اعتقدت عن حسن نية أنها ستضفي ألفة ما. في الحقيقة كان من المفترض كتابة نص قصير النفس حول وداعة الإكسسوارات، ومتعة اقتناء المجسمات العجيبة وما يترتب عنها من موتيفات خاصة، وهو ما لم يحصل على الإطلاق لما استتبَّ زلزالو، حتى أن المبلغ الذي كلَّفَته هذه الديكورات المغبرة لا ينم عن صفقة جمالية.
كان الشرّاد مسرورا بفوضاه، يهادنها بترتيب مفاجيء على نحو بطيء، ويحدث أن يقضي أسبوعا كاملا، على أقل تقدير، في وضع خطة لإعادة الأشياء إلى مكانها الأصلي، ويحدث بالارتجال أن يتخذ الترتيب منحى مغايرا لما كان عليه آخر مرة. وقد ظل بفضل نهجه هذا مجبرا على نحو معين من التفكير عند كل حركة داخل حيز الفوضى. لكنه على عكس نهجه الذي أتى عليه زلزالو، وبينما تأهب ذات صبيحة لمواجهة المصيبة، متأبطا عمود مكنسة وفي يديه دلو ممتلئ بالماء و الصابون، دخل الشرّاد في حالة شرود أنسته ما كان بصدد القيام به؛ إذ تهيأ له أنه يصعد مقصورة قطار لا أحد على متنها، وبمجرد ما استأنف القطار سكته حتى بدت له المقاعد الخلفية مكتظة بزرافات سوداء. لم تدم الخيلاء برهة حتى وجد الشراد جسده أسفل الدرج ملطَّخاً عن آخره بالصابون. في هذه اللحظة همهم بالقول مزيحا المكنسة التي كانت قد استقرت على وجهه: تفكير أكثر من اللازم من أجل الوقوع والأذى.
باءت محاولات الشراد في لملمة واقعه المزري بالفشل؛ ضرب من النحس انتشر في أنحاء البيت وما عنده من قدرة في التصدي له، حتى فنجان قهوة إن حضره فعلى مضض. دلف الشراد إلى المطبخ وفتح دولاب الأواني بحركة يائسة في العثور على كوبين لم يجهز عليهما زلزالو، وكما كان متوقعا، لم يكن أمامه خيار آخر سوى تقديم القهوة في كوبين بلاستيكيين. جلست الزائرة على مقعد يستند جانبا من الثلاجة، وبينما هي تحتسي قهوتها كانت نافذة المطبخ تؤطر صورة سحابة عابرة لم يمهل الشرّاد فواتها كي يشير بسبابته: أدركت فصول السنة هنا، وعلى غير عادة السماء، يحدث للمرة الأولى عبور سحابة.
ألحّ الشرّاد على الزائرة بمزيد من القهوة. تفرّس كتفها اليسرى حتى استقرت عيناه على كفّها وهي ترفع الكوب البلاستيكي بحركة نحو الأعلى، حينئذ أدرك أنها لم ترتشف رشفة واحدة على ما يبدو، فما كان عليه إلا أن سحب من بين أصابعها كوب القهوة ليقترح عليها حليبا دافئا مع سكر. وبينما يتبادلان الابتسامة لبرهة ارتعشا معا جرّاء دوي الباب الذي خلَّفه زلزالو العائد لتوه، ولم يتوقف اضمحلال خلوتهما عند هذا الحد، إذ سرعان ما تبع ذلك دوي انفجارات متتابعة على إثرها أفلتت الزائرة كوب الحليب وسقط أرضا. وفي هذه اللحظة، استرسل الشرّاد وقد أحكم إغلاق باب المطبخ موحيا باعتياد الوقع: هناك دائما حليب احتياطي في الثلاجة. كان من الممكن تفادي دوي زلزالو؛ فبالرغم من هذه المساحة الضيقة التي لا تتجاوز أربعة أمتار على أربعة لا أجد حماية من مداهمات زلزالو عدا في هذا المطبخ؛ حيث تسعفني سماكة الباب بخشبه الصنوبري، فضلا عن الوقاء المطاطي الملتف حول إطاره، على ادعاء قدر من الخلوة. تمنيت لو صُمّم باب غرفة النوم بهذا السمك، أو على الأقل لو أنهم أحاطوه بالشريط المطاطي لانحصرت البلبلة ولنمت هانئا.
خطر على بال الشرّاد ارتجال حديث يصرف به بال الزائرة عن جلجلة زلزالو المسترسلة. تابع بعينيه باعوضة فأمسك بها حتى انقطع طنينها ثم أفلتها لتنطلق في الأنحاء بلا طنين إلى أن اختفت عن الأنظار. في هذه اللحظة وقبل أن ينطق مجددا بما كان يريد قوله تسلق صرصار ساق الزائرة بخفة، وأرغمها على إطلاق صيحات كادت أن تخرج من صدرها. وبعد قفزات عديدة سقط الصرصار وذهب إلى حال سبيله مخلفا مشهدا لم يكن من الممكن تفاديه، وعلى إثر ما حصل همهم الشراد بشتيمتين في حق الصرصار.
لم يتسنّ للشراد إطلاع زائرته بأحواله الجديدة. إنها لا تعرف التحولات التي طرأت على صحته، وفي نفس الوقت فإنه لا يعتقد بأن مجريات الأمور التي عاينت الزائرة جانبا منها ستمر دون تشخيص ينطلق من حالة البيت ويسبح في آفاق لانهائية من التأويل.
في مجمل لياليه التي قضاها في بيته، لم ترفرف بنات أفكار منصف الشرّاد، مشهد واحد من المسرحية لم يكتبه بعد، وقد قضى سنوات في مسقط رأسه سيدي وطواط يكتم كلماته ولا يفصح عنها؛ إذ لم يكن يكتب إلا نزرا يسيرا مما كان يراوده، وعلى عكس ما كان يخطط فقد ظل الحال على ما هو عليه بعد أن ابتعد عن سيدي وطواط، ورحل بعيدا فوق ما كان يتوقعه، كما لم يكن في حسبانه أن طموحاته الجمة في تطويع أفكاره وتدوينها سوف تذهب سدىً بعدما انتظر بفارغ الصبر فرصة الحصول على بيت مستقل لتنفيذ ذلك. كل ما بدا له إلى الآن أن زلزالو مستبد يسفك بفرص هذيانه ليل نهار، وليس هناك خيار آخر وسط الفوضى والتأجيل.
يحدث لعشرات الأيام أن يستغني الشراد عن العالم الخارجي تماما، وهو في هذه الحالة تكون رغبته في عدم إثارة انتباه الآخرين له، على نفس الدرجة من الرغبة في عدم إثارة الآخرين له؛ لذلك فهو مخلوق للبيت يعادي الخارج بشوارعه ومقاهيه، لكنه لم يستغل انعزاله، وفي كل مرة يحاول فيها الكتابة يفشل في تخطيط جمل ينساق خلفها، وهذا ما جعله على مر السنين يقول بلا جدوى الحروف والكلمات في حالات اليقظة. البارحة فجرا، بطريقة ما كتب كلمة "الظل" وبقي يتأمل فيها ويسرح، إلى أن اهتدى إلى إضافة كلمة "قصيدة"، ثم علق بعدما تنفس الصعداء: "هكذا سميتك في المنام بحيث لم يكن التفكير محتاجا ليقظة، وإن أوعزت إليّ الفكرة بأن أصير الحاجز، سأركن وعيي بين الشقوق، فعنوانك صار الآن قصيدة الظل". لكن ماذا بعد الظل؟
في الدولاب مسودات عديدة، مشاريع كبرى لنصوص لم يكتب لها أن تكتمل؛ أشعار، قصص، مسرحيات، مقالات طالما اعتبرها ظله المستتر، أو تمارين ليس بالضرورة أن ترى النور، وأنها يوما ما ستلملم حالها في نصوص غيرها.. في مقابل هذا التأجيل المرير كان يجد نفسه صدفة وسط جبهات القتال، وكان كل مرة يجد صعوبة في إقناع الأطراف بكونه مدنيا! وفي قرارة نفسه يقول: يا ليتني لم أقدم طلب الإعفاء من التجنيد! ورغم ذلك كان يخرج من المعارك سالما معافى، كما لم يحدث أن أصاب نصا في ظهره، أو أخذه غنيمة.
لم يهزم ولم ينتصر، ويقينا منه بأنه لم يختر أرض المعركة، فهو لا يؤمن بأنه دخل في نزال حقيقي عن طواعية، وإنما زج به في نزاعات من المشرق إلى المغرب؛ حروب بالصدفة، أو مفتعلة لا تهمه ملابساتها ما دامت لم تجهز على خططه الاحتياطية في تجنيد المسودات تأهبا للخواتم. هكذا أراد غنيمة من كُوَم الكلمات والعناوين: أسلحة مكشوفة، صعود منسي، فقر القدم المزمن، سارق السلالم، المحارب يسعفه الغبار، السقوط التلقائي لكاتب... وعناوين كثيرة هربت، فظل يهرول خلفها والغبار يتناثر خلفهما إلى أن اختفيا عن الأنظار.
