2014/04/12

أمام لا أحد


كل خجل هو خجل بالمعية، فكيف أمكن لشخص غائب تشويش أفعال الخلوة هاته؟!. على سرير المرض، وفي بيت لا يهتم فيه أحد بالأدب، يروي عبد الفتاح كيليطو في (سيرته) «أنبئوني بالرؤيا» تجربة اكتشافه المبكر لكتاب «ألف ليلة وليلة»؛ إذ أثناء توقفه على مضمونها الفاضح، كان يراوده شعور مبهم: عليه ألا يقرأ الليالي.باعتراف الراوي، لم يكن داعي هذا الشعور المبهم سوى الخوف من اقتحام والده الغرفة واكتشاف ممارسة القراءة في فراشه!. لكن هذا الإحساس الغامض الذي ينطوي على خجل وقائي، لم يمنعه من التصدي للقراءة تحت شارة المرض والإثم!
ثمة واقعة تبين أقصى تمظهرات الأشخاص في عالمنا حتى وهم غائبون! يسرد سارتر في مسألة الغير أو الآخر؛ أن أحداً تسلل حتى وقف بباب حجرة مغلقة وانحنى على ثقب المفتاح ينظر خلاله، وفيما هو في هذا الموقف المزري خُيِّل له أن أقداماً تقترب منه، فاعتراه الخجل من نفسه وتصبب عرقاً... ولكنه ما لبث أن أدرك أن ذلك الصوت لم يكن صوت أقدام تدنو، فاستردَّ أنفاسه، وانحنى من جديد على ثقب المفتاح ليرى ما يدور في الغرفة المغلقة.
ضبابية هذه التجربة؛ أو ما يسميها سارتر بالخجل الزائف، تبرر ادعاء ابن الجيران بحثه عن شيء ما خلف المخدات كلما شعر بأقدام تقترب من غرفة الضيوف، ومع أنها لم تكن دائماً مداهمات حقيقة تهدد عالمه السري، فإن مجرد افتراض ظهور شخص آخر كان كافياً ليزحزح لحظاته الهانئة ويقلبها رأساً على عقب.
ابن الجيران كقارئ الليالي، كلاهما أُسِرا بملاحقة قصص فاضحة، وفضلاً عن التفاني في فعلتهما، جمع بينهما كذلك خجل احتياطي لمجرد الشك في وجود رقيب، وسواء كان حضور هذا الرقيب بغرض إلقاء نظرة مختلسة أو لاقتحام عالمهما الانفرادي، فإن كل منهما لا يرفض بأن يُرى، وإنما يحتاط من المداهمة بشعور مبهم سرعان ما يبدو بمثابة متاريس لتأمين الخلوة. هكذا تفادى جارنا خجلاً ممكن الوقوع بخجل مزيف، فلقد ادعى مراراً البحث عن شيء ما خلف المخدات كلما شعر باقتراب أحد من غرفة الضيوف. لكن ما الذي كان بوسعه أن يصنع لو لم يستدرك خجلاً وشيكاً أمام أحد، وذو الخجل لا ينبس بِبِنت شَفةٍ؟
خجل مزيف أم شعور المبهم؟ رد فعل ذكي على كل حال؛ أتاح لطريح الفراش إخفاء كتاب الليالي كلما اقترب الأب من الغرفة، وجعل المتلصص من خلال ثقب المفتاح يتأكد من صوت الأقدام من عدمه قبل أن يستأنف التلصص، كما أوحى لجارنا الابتعاد عن النافذة وادعاء البحث عن شيء ما خلف المخدات... يبدو ذو الخجل رهين شعور لا يكشفه، وإنما يتركه مبهماً وضبابياً حتى لا يفتضح أمر ستار بيولوجي يُسدل أوتوماتيكياً كلما أحس بالخطر والمداهمة.
بعكس الغرف والأمكنة الداخلية، تنطوي تجربة الخجل أمام لا أحد في الفضاء الخارجي على نوع مختلف من رد الفعل، يمكن وصفه بعدم الاكتراث أو الادعاء لغاية اجتماعية أو أخلاقية؛ إذ يُكرِه الراغب في النظرة نفسه على عدم النظر تجنباً لرؤيته وهو يَنظر. والواقع أنه يُؤسَر بالنظرة دون أن يستطيع إطالتها بجسارة، فيتنازل عنها إرضاء للناظرين حتى ولو لم يطلبوا منه ذلك، بل حتى وإن لم يوجدوا كشاهدين.
في تجربة هذه الحالة، وصف باسكال كينيارد ضمن الفصل العاشر من روايته، «كل أصباح العالم» الطريقة المثيرة التي فتحت بها الابنة مادلين باب العربات الكبير؛ ممشوقة القوام، متوردة الوجنتين، قالت: «أود الاستحمام، لذا سأرفع شعري» وهكذا تسنّى للفتى ماران ماريه إلقاء نظرة محتشمة قبل أن يلتقي بالسيد دو سانت كولمب بشأن درس الكمنجة. وعنما أنهى ماريه مقابلته مع معلمه على مضض، هبط سلم الكوخ، الذي كان السيد كولمب قد شيَّدَه فوق شجرة، وفي هذه اللحظة لمح خلف الظل فتاة ممشوقة القوام عارية، وعلى عجل أشاح الفتى ماريه وجهه لئلا يبدو أنه رآها...
بغض النظر إن كانت مادلين قد رأته وهو ينظر لجسدها أم لا، فإن حصول ذلك غير مستبعد، وما انطوى عليه خوف ماران ماريه ليس تجنب رؤية مادلين له وهو يراها تستحم، بل على الأرجح، خوفه من رؤيته متلصصاً من طرف السيد كولمب، وبالتالي سيكون بصدد فقدان تمارين الكمنجة مع موسيقي أيِّم وهبَ بقية عمره لابنته.
في حالة عدم الاكتراث المبيتة أو لعبة الغميضة هاته، ذابت رغبة ماران ماريه في نظرة خاطفة نحو الفتاة مادلين، نظرة هي والعمى شيء واحد، ألقاها وفقا للغاية التي أتى من أجلها، ولأنه حريص على تمارينه الموسيقية عليه أن يبدو شاباً مهذباً، لذلك لم يستبعد ماران رؤيته من طرف السيد كولمب وهو يبادر باحتشام تجاهل رؤية ابنته في مشهد مثير، وعندئذ جعل خجله في خدمة مستقبله كعازف كمنجة تتلمذ على يد أستاذ موسيقي مستقل. إنه خجل مزيف جعله هذا الفتى كلمة السر التي سيتسلل بها إلى قلعة السيد كولمب الموسيقية التي لم يفلح الملك وحاشيته في احتوائها.
بخجل مبهم، خجل أمام لا أحد، خجل لمصلحة ما، فعل البديهة الارتكاسي في لحظة حرجة؛ يمكن القول:
- خجلي لا يحتاج لأحد، هو الماضي، عقبة يجب أن أتخطاها دائماً.
- خجلي وجهة النظر الوحيدة التي تخرج فيها الملامح عن السيطرة، هو وجهة النظر التي أتخذها دون علمي.
- خجل جماعي قبل حضور السيدة: كاد عمال المرسى يموتون حنقاً وخجلاً عندما علموا بزيارة سيدة أنيقة، إذ ستَطَّلع على قذارتهم.