2014/03/15

خداع الصورة الأكثر وضوحاً


في كتابه «فلسفة المرآة» (دار المعارف عام 1994) يستند د. محمود رجب على الأسطورة والتاريخ والفلسفة والأدب، كما على كتابات المتصوفة، بغاية التأمل في أفعال المرآة وماهية الانعكاس المرآوي. هل يؤكد الكتاب أن المرآة أمُّ الفلسفة! فكعادة أي كتابة فلسفية تقليدية، قد لا تبدو المرآة موضوعاً جاداً للتفلسف، لكن محمود رجب الكاتب العربي الوحيد، فيما يبدو، الذي خصص لهذه الأداة المألوفة دراسة فينومولوجية كشفت ما تنطوي عليه المرآة من ألغاز لا تتعارض مع هموم الفلسفة قديماً وحديثاً.
ماذا في المرآة؟
هل يتحسس أحد شيئاً آخر غير الوظيفة الاستعمالية وهو يواجه مرآة زجاجية؟ في الغالب نتجمل بها، نكتشف تفاصيل الوجه ونعاين باهتمام تحولاته، وجه آخر في المرآة يحظى بالعناية الدائمة، وجه يظهر ويختفي باختفاء المرآة! إنه آخر آخر، أو قرين يستوطن المرايا ويظهر بشكل مؤقت ثم يتوارى داخلنا فنلاحقه ولا نمل من العودة للمرآة.
من المرآة يتعلم الطفل الصغير ردود الأفعال وبوادر اللغة، منذ نعومته الأولى يتهلل ويشغف بحقيقته الجسدية.
بحسب هيجل تعتبر هذه المرحلة «لحظة الوعي الذاتي الديالكتيكية»، أنا إذاً آخر، هو الاكتشاف الذي يتوصل إليه الطفل حين يرى صورته في المرآة. وعلى نحو مماثل عَبَّرَ جاك لاكان عن هذه المرحلة بـ»اللحظة الارتقائية في نمو الطفل حينما يتمكن من بلوغ أول تخطيط أولي للذاتية أو الهوية».
ينطوي التعارف بين الناس بداية على سلوكيات اجتماعية هي في الغالب إبداء الابتسامة والترحاب، وبين المرحِّب والمرحَّب به تنكشف رغبة البحث عن مرآة الذات في الآخر، مرآة تعكس الخصال والصفات، ولما تكشف تجربة التواصل والاحتكاك أن هذا الآخر، بوصفه مرآة، ليس مناسباً لانكشاف خصال إيجابية بشكل متبادل وعادل يصبح غير مرغوب فيه. ذلك أن الرغبة في الآخر كانعكاس مرآتي للذات تستبطن ضمنياً تحقق وعي ذاتي، وهو وعي لا يصل درجة الإشباع إلا من خلال مواجهة ذات أخرى تبدي التعرف على نفسها من خلال مرآة الآخر بنفس القدر من التأثير والاهتمام والأخذ والعطاء. ومثلما يتساءل الفرد في علاقته بالآخر، عن محدودية وصدق الانعكاس فيه بشكل دائم، يتساءل كذلك: هل أنا هو هذا الآخر الذي أراه أمامي في المرآة؟ سؤال يطرحه عندما يكتشف أن صورته التي في المرآة إنما هي «شيء آخر غير ما يحسه على نحو داخلي عن نفسه، فالتجاعيد المحفورة في الجلد وبياض شعر الرأس... علامات تجعله يرى في صورته المرآتية ما لا تصدقه عيناه وهو بصدد متابعة التغير الفيزيولوجي الذي يطرأ على ذاتيته من الخارج والذي لا يحس به داخلياً».
على هذا، سواء في المرآة العينية أو مرآة الآخر، ليست ثمة صورة مرآتية ثابتة، وليس بمقدور المرآة أن تخلد صورنا مبتسمة أو حزينة، كشأن الرسم والفوتوغرافيا، لكن المرآة تستعيض عن الثبات بالذاكرة وتوثيق مفترض لتاريخ الجسد كسند لذاكرة نفسية، ونجد هذه الحمولة المعنوية في الحالات السلبية للانعكاس المرآتي المادي عند الشخص الذي لا يرضى عن نفسه في المرآة، أو في مرآة الآخر وما يترتب عنها من انعكاسات جانبية في حالات الهيام والخسارات أو ما يوصف بضياع الأنا في الآخر.
لتوضيح هذه الانعكاسات مجتمعة، يحيلنا محمد رجب في «فلسفة المرآة» على رواية «صورة دوريان جراي» لأوسكار وايلد حيث توظيف تقنية المرآة بتحطيمها ومخاطبتها يعكس الازدواجية التي كابدها دوريان جراي إلى حد التمزق وتحطيم الذات والانتحار. وعلى مسرحية شكسبير، لما يجد «الملك لير» في شخصية إدجار «مرآة له يرى فيها نفسه ومصيرهما المشترك، فكلاهما تعرضا للجحود من قبل بناتهما، فعصف بهما الكمد والحزن فآثرا التشرد والضياع». ولما كانت صورة نرسيس، أو نرجس، المنعكسة على سطح الماء لا يمكن أن تدوم، كان من المحتم أن يجد نفسه وحيداً وآخذاً في الاضمحلال، وقد كان بيجماليون يهيم في حب نفسه من خلال إبداعه، لكنه انخدع في حب تمثال المرأة التي نحتها وظن أنه يستطيع بث روح مطابقة له فيها.
بصدد خلق ذات أخرى خارجه، ضاع كل من دوريان جراي والملك لير ونرسيس وبيجماليون في مرآته الخاصة. هذه النرجسية القاتلة، خاصة في حالات البارانويا والاكتئاب أو ما يسميها هيجل بالوعي الشقي أو الوعي المغترب عن ذاته، أعاد غاستون باشلار النظر فيها قائلاً في كتابه «الماء والأحلام»، بأن «الوجه الإنساني هو أولاً وقبل كل شيء تلك الوسيلة التي تستخدم للغواية، وحين ينظر الشخص إلى نفسه في المرآة فإنه يستعد ويتأهب ويشحذ نفسه، ذلك أن المرآة هي لعبة الحرب في الحب الهجومي. ونجد الفيلسوف الاجتماعي الأميركي لويس ممفورد (1895 - 1990م) يذهب في قوله حول الاهتمام الذي يبديه الإنسان بصورته في المرآة، بكونه اهتماماً ساهم في «الإحساس بالشخصية المستقلة وإدراك الصفات الموضوعية لهوية الإنسان وذاتيته..». بل وذهب إلى أن «ازدهار فن السيرة الذاتية إنما يرجع إلى توصل الإنسان إلى صنع المرايا».
من يتمرأى يشك في صدق النسخة المنعكسة، هل وجهي بهيّ دائماً؟ هذا سؤال مرافق للتحولات التي تكشفها المرآة. منذ القرن الأول الميلادي أبدى الفيلسوف الرواقي سينكا ملاحظته قائلاً «إن الإنسان لو رأى نفسه في المرآة جميلاً فإنه سيتجنب ما يعيب هذا الجمال». ويُجمل محمود رجب هذه الملاحظات بوصف المرآة مهمازاً يستثير لدى الإنسان مطامح خلقية حين تكشف له محاسنه ومثالبه الفيزيقية الخلقية فيعمل إما على الحفاظ على ما هو فيه من كمال وإما على الرقي بنفسه إلى مرتبة الكمال. ويبدو أن هذا الحفاظ أو الارتقاء بالذات كان غاية الفلسفة اليونانية، فمنذ زمن طويل كانت الحكمة أو الفطنة يرمز لها في الفن بامرأة تمسك بيدها مرآة تتأمل فيها نفسها وتحت قدميها حية تسعى. ولما كانت المرآة هي تلك الأداة العجيبة التي تستنسخ كل ما يواجهها استنساخاً آنياً، فقد صارت رمز الرؤية الثاقبة للأشياء، ذلك أنها وحدها التي تري الإنسان صورته بأمانة فيتخذها موضوعاً للتفكير. وكان سقراط يدعو الشباب بكلمته «اعرف نفسك» إلى إطالة النظر في المرآة من أجل إصلاح أنفسهم، والتجمل بالفضائل»، وكان أرسطو يحث على التأمل الانعكاسي بعبارته «العقل الذي يعقل ذاته»، أما مع ديكارت فقد وصل التأمل في المرآة إلى تدشين بدايات الوعي بحقيقة الذات، بل وامتد من رؤية الذات في المرآة ومعرفتها، إلى رؤيتها وهي تراك.

مِن المرايا ما يقتل!
مثلما تأسر المتمرئي إليها والباحث عن قرينه في غيره، فهي تتحول وتتشكل ويمكن أن تفتقر إلى الدقة، فيَؤول ما تعكسه صوراً قوامها الخيال والتحريف، هذا حال المرايا المحدبة والمقعرة والأسطوانية والمخروطية، ومرايا السحر والكهنوت ومرايا الملاهي والسيرك.. إنها عالم من الأغلاط والألاعيب الخادعة، ألم ينخدع نرسيس منذ البداية بإغراء مرآة الماء، ماذا لو كان قد أطاع أمر الآلهة ولم يتسلل ذات ليلة مقمرة عبر الغابة إلى البحيرة، هل كان سيضمحل ويتحول إلى زهرة؟ لما إذا رفضت الآلهة أن يكتشف نرسيس صورته الأجمل؟. فرضاً أنها عاقبته بتخليه عن وظيفته المرآوية، وجه نرسيس مرآة العالم والكمال، الوجه الذي تتنرجس فيه الطبيعة كلها، وبسقوط وجهه في البحيرة انكسرت مرآة وجهه، المرآة التي تتمركز فيها الطبيعة والعالم والتي لا يسمح بأن يكتشفها فيطغى بجماله على الآلهة، أو بالأحرى خافت من رؤيته للنبوءات على سطح البحيرة.. لقد نافس مرآة الماء فهزمته إذاً!
يوصف الوجه والعين بقدرتهما على الانعكاس المرآوي، الوجه مرآة، وجه النبي موسى مرآة إلهية تعكس نور الله، وللوجه طاقة التعبير وفضح المكنونات على نحو ما يظهره الخجل في احمرار الوجنتين رغماً عن الخجول، وليس أمامه في هذه الحالة غير خيار واحد، أن يتمرأى في مرآة وجهه فتعلن انفعاله الداخلي، وكما تعلن، تضمر مرآة العين سراً ما في الابتسامة الصفراء المخادعة. والعين في المقابل مرآة تختصر ما ينعكس داخلها. في حدقة العين يرى المحب محبوبه، ويتمرأى قلب العاشق مختصراً في عين محبوبه، يراه وتراه فيصلاً إلى منطقة الالتقاء الصغيرة لانعكاسهما في مرآة العين، أو منطقة القرب الفعلي كما يصفها محمود رجب معلقاً على ما أورده أفلاطون في تعبيره عن مرآة العين بوصفها نقطة التقاء شعاع الحب، يقول صاحب «المأدبة» في نص محاورة ألقبيادس: «وعلى ذلك فعندما تتأمل عين في عين أخرى، وعندما تركز نظرتها على أفضل جزء في هذه العين، أي على هذا الذي تراه، فإن ما تراه فيه إنما هو نفسها». ولكن لِمَ وُصِف الحب بالعماء؟ هل لأنه يجعل الولهان لا يرى غير فاتنته؟ كانت ميدوسا تحمل الموت في عينيها وكان كل من ينظر إليها يمسخ حجراً ويصير كتلة عمياء في عالم الأموات والظلام، «الحب أعمى» و«من الحب ما قتل» خبرنا الأصمعي بعد قصة الحجر المكتوب، الحب قاتل حين لا ترتد صورة المحب في مرآة عين المحبوب، هكذا كان من ينظر إلى مرآة ميدوسا الساحرة لا ترتد صورته إليه، وإنما تسلب منه فيموت.

واقع لا واقعي!
من حيث تداخلها بالخرافة لتغليط الناس أو سحرهم بتوهيم شيطاني، أو إن شئنا مع محمود رجب من حيث هي علم خرافي، علم المرايا أو (القاطوبطريقا) فإن التوهيم والخداع الذي تمارسه المرآة إنما هو خرافة رياضية حقة، فلم تكن (الأوبطيقا) علم المناظر، وكذلك شطحات الصوفية في المعرفة والعرفان.. خارج تجارب مختبرية تقيس زوايا انعكاس الضوء على أسطح المرايا وما تثيره من مصادفات ونتائج تجانب صواب الواقع حتى يبصر الناظر أوهاماً أمامه يسقط عليها معرفته، أو يوهم الناس برؤية ما لا يرى. هذا جوهر علم قائم بذاته وحسبنا التساؤل مع صاحب فلسفة المرآة: «ألم يكن نصير الدين الطوسي (1201 - 1274) وهو المتصوف المغرق في الإشراق والتشيع، رياضياً ومحرراً لكتاب إقليدس في علم المناظر؟ علم المرايا باختصار جامع بين الحقيقة والخيال، هو علم وخيال: علم الخيال وخيال العلم».
من الناحية العلمية تفعل المرآة ما يفعله السحر، فهي قادرة على إنتاج صور خارقة للعادة، هذا نراه في عروض السيرك فنندهش لوقوعه كما نعجب بالخدعة طالما لم نكتشف سر المرآة التي تخفي وتستحضر وتحول ما لم يكن في الحسبان، وهذا ليس بجديد، ذلك أن حالات مشابهة من الإدهاش والعادات الخارقة لم يرق الوعي البشري قديماً إلى مستوى اعتبارها خدعاً أشبه بألعاب الخفة. وباستحضار الأسطورة كإطار عقدي اتخذت خصائص المرآة وظائف لاهوتية قائمة على خرق العادة وكشف المحجوب وإظهار اللامرئي، فكانت المرايا تشوه وتمسخ وتهلك على نحو ما يرجع إلى مرآة نرسيس وديونيسوس وميدوسا، وبمثال أوضح يستحضر محمود رجب مرآة معبد ليكوسورا في أركاديا التي وصفها رحالة إغريقي في القرن الثاني الميلادي قائلاً: إن الناظر فيها إما ألا يتبين من نفسه سوى انعكاس غامض، يخبو ويضعف، وإما ألا يرى فيها شيئاً على الإطلاق، وعلى العكس من ذلك تظهر على المرآة، وبجلاء، أشكال الآلهات المحفورة والعرش الذي يجلسن عليه».
تخذل المرآة الرائي فلا تصون وجهه، مثلما هي مرآة الآخر تعزف على مقام الضياع والخسارات. بعض المرايا غير صادقة وهي توهم بذلك، وهي الأخطر ليس لأن أفعالها سحرية وخادعة، أو لأن أغلاطها تصنع واقعاً خيالياً، وإنما لكونها تمارس غسيل المخ كذلك، وقديما استعملت المرآة في أمور السحر والتنجيم، وكان للإسكندر المقدوني مرآة الإلكتروم الكونية التي وعد بقدرتها على حماية البشرية من هلاك الأعاصير، واعتقاداً بروحها الإلهية توارثها الملوك بعده. وماذا بعد؟ هل انتهى عهد المرآة الكونية هاته؟
مليون مرآة لن تعكس إلا متمرئياً واحداً، ذلك الذي يقف بمفرده قبالتها، ولنتأمل مثالاً أكثر إيحائية يضربه محمود رجب «لو جمعنا عدداً من المرايا مع بعضها البعض... سيكون لدينا مرايا مؤلفة من عدد كبير من المرايا الصغيرة. فإن قدمنا لها فرداً واحداً أعطتنا شعباً كاملاً»، شخص واحد في هيئة شعب، وشعب في هيئة شخص! لعبة مرآوية تتمرأى فيها السلطة في المحكوم والمحكوم في السلطة، وقد كان على المرايا أن تواكب شروط اللعبة وارتقاء الشعوب نحو إعمال العقل أكثر من الخرافة، فاستبدلت مرآة الإلكتروم الخارقة بمرايا التليفزيون، وتطور إنتاج الأشباح المرآوية، إلى بعث الديناصورات وهي تمشي كأنها الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة بموجب التحكم عن بعد، ضغطة زر تنشر ملايين الصور فتؤول انعكاساً مرآوياً في لحظة، ونحن نراها فرادى ومجتمعين، وفي قرارة نفوسنا: هذا العالم المتقدم لا يكف عن تكبير مراياه، كل فكرة، كل تاريخ، كل حاضر أو مستقبل يصنعون له أضخم المرايا، فلا نكاد نحن أصحاب المرايا الصغيرة داخل مرآة الحاكم العظيمة نستشعر ذاكرة أو طموحاً إلا ورأينا في مرآة العالم شبح المؤامرة، ونقول هناك تلاعب وتضليل، ولا شيء غير ردة الفعل هاته ما يوسع هوة الرؤية، ويجعل المسافات بين الهوية والثقافة والاختلاف والقيم... أكثر هلامية. إننا لا نرى في المرايا غير الصورة الأكثر وضوحاً للأزمة.