في مؤلَّفه الجديد «سرّاق اللغة» (ترجمه، عن أصل بالفرنسية، إسماعيل أزيات، منشورات المتوسط، 2026)، يُقيم عبد الفتاح كيليطو دعوى سرقة ويَتولّى الدفاعَ عنها في آن. يَتصدّر الكتاب إهداءٌ إلى فرنسيس غوان، مترجمه الفرنسي الراحل الذي نقل خمسةً من كتبه، ثم عتبةٌ منسوبة إلى فلوبير: «عوض إبداع عمل جديد، قد يكون أكثر حكمةً تبيُّنُ أعمال جديدة تتوارى خلف القديمة».
يُصرّح كيليطو في التقديم ببرنامجه النقدي: «ومن هنا هذا الكتاب وسُرّاقُه المتنوّعون، سُرّاقُ اللغة، والأدبِ، والهويّةِ، والحبِّ، دون أن نَنسى أولئك الذين يَسرقون السُّرّاق». وعلى أثر هذه السلسلة، يستدعي أنساقًا سابقة؛ تتداخل فيها الازدواجية اللغوية بالترجمة، وتتلاقى فيها المقامة ودون كيخوته والليالي وبورخيس والرواية، وفي مدارها ينهض سؤال الكتاب: كيف يَحمل النصُّ في جوفه كتابةً أخرى؟
يَضمّ الكتاب إحدى عشرة مقالة، انتقلت اثنتان منها من مقام الإلقاء إلى مقام النشر. الأولى تختمه، وهي ما نَخصّ بالتأمّل في هذه السطور، عنوانُها «مؤتمر سرّاق اللغة»، ويُحيل هامشُها إلى مُلتقًى دوليٍّ، موضوعه الأدبُ الإفريقي والفرنكوفوني، نظَّمته الأكاديمية الملكية المغربية في مارس 2024 ضمن كرسيِّ الآداب والفنون الإفريقية، وكان عنوان مُداخلة كيليطو «Voleur de langue» (سارق اللغة)، وأما الثانية «الازدواجية اللغوية، إنها قَدَر»، فيَرد في هامشها أنها مُحاضرةٌ ألقاها في البيت العربي بمدريد في نونبر 2024.
يَختار كيليطو لمُداخلته عنوانًا أوّليًا بصيغة المفرد «سارق اللغة» مستعارًا من خطاب الشاعر الملغاشي جاك رابيمانانجارا «سُرّاق اللغة». وفي الكتاب يعود إلى صيغة الجمع على غرار الأصل الذي يشمل الكاتب الإفريقي والمغاربي معًا. ويستهلّ كيليطو مداخلته بسرقة صغيرة معلَنة: عنوانٌ مأخوذ، ومَقطعان أحدُهما لدو بِلاي والآخَر لفلوبير، يَردّهما إلى ميشال شنايدر. ثلاث عتبات، تَحمل كلٌّ منها اسم صاحبها الأول. لا تكتفي المداخلة بالحديث عن السرقة، وإنما تجري أمام القارئ، شاهدةً على الدعوى التي يقيمها كيليطو على اقتراض مُصرَّح به في الحاشية الأخيرة من الكتاب، مثلما يَختم القاضي حُكمًا استوفى حججه.
يُصنِّف كيليطو السُّرّاق في ثلاثة أنواع: سارقٌ ذو ضمير يترك أثرًا ليُقبَض عليه، وسارقٌ مغرور يَدّعي مِلكية ما سرق، وسارقٌ يَسرق سارقًا. ثم يَأتي في نصِّه بما يَنفي عنه هذه الأصناف؛ لا يَترك بطاقةَ هويةٍ منسيةً ليُقبَض عليه، ولا يَدّعي مِلكية ما اقترضه، ولا يَسرق سارقًا دون تنويه. إنما عمله نوع رابع يُنشئه؛ الاقتباس بوصفه ضيافة. فيكون من أنواع السرقة صنفٌ يختصّ به الكاتبُ النقيُّ السريرة، إذ يُسمّي السارقُ مَن سَرَق منه فيُؤدّي دَينَه على المَلَأ. يُمارس كيليطو هذا النوع، ويُثبت له قائمةً من الديون: العنوان نفسه «سُرّاق اللغة» مأخوذٌ من رابيمانانجارا، الذي صرَّح في خطابه أمام المؤتمر الثاني للكتّاب والفنانين السود المنعقد في روما سنة 1959 دون مُواربة: «نحن سُرّاقُ اللغة!». والجملةُ التي يَستعيرها كيليطو لعنوان النصِّ تَبلغُه عبر وسيطٍ يُسمّيه باسمه: مارتين ماثيو جوب، مؤلِّفة كتاب «Y a-t-il une langue maternelle?» (هل ثَمّةَ لغةٌ أمّ؟) الصادر سنة 2022. كما يحفظ كيليطو موضع الوساطة؛ فيُصرّح أن لقاءَه الأوّل بالجملة كان عبر ماثيو جوب. أمّا العتبةُ التي تلي عنوان المقال، اقتباسُ جواكان دو بِلاي: «أراني أتباهى بكوني ابتكرتُ ما نقلتُه حرفيًا من الآخرين»، فمُستعارةٌ من كاتبٍ آخر يُسمّيه كيليطو في الحاشية: ميشال شنايدر، صاحبُ «Voleurs de mots» (سُرّاق الكلمات) الصادر عن غاليمار سنة 1985. ثم العتبةُ الكبرى للكتاب كلِّه، مقطعٌ منسوبٌ إلى فلوبير، مأخوذٌ بدوره من شنايدر.
وتمتد القائمة من العتبات إلى المتن، فيَدين كيليطو بمعرفته بشهادةِ سيزير في «أدب القرصنة» لسليمان بَشير ديان، الذي أوردها في كتابه «De langue à langue: L'hospitalité de la traduction» (من لغةٍ إلى لغة: ضيافة الترجمة) وفيها يقول إيمي سيزير: «إنّي أقول كما إنّ هناك إذاعاتِ قرصنة، هناك استخدامٌ ذو طابع قرصنة للغة، وهذا هو الأدب الأقلِّيّ. نعم، فالأدب الزنجيُّ المكتوب بالفرنسية هو أيضًا، وبمعنى ما، أدبُ قرصنة».
أمانةُ ردّ الدَّين تقف عند حدود ما يبلغ إليه الكاتب من مصادره، لكن شجرة النسب في «مؤتمر سُرّاق اللغة» تُظهر فيما يَغلب على الظنّ غصنًا غائبًا؛ إذ للعنوان مقترضٌ آخر يسبق مارتين ماثيو جوب. ففي سنة 2006، أصدر الناقد الفرنسي جان لويس جوبير، عن دار فيليپ ري في باريس، كتابه«Les voleurs de langue: Traversée de la francophonie littéraire» (سُرّاق اللغة: اجتيازُ الفرنكوفونية الأدبية). وجوبير، الذي بدأ مساره الجامعي في تدريس الآداب الفرنكوفونية بجامعة مدغشقر بين 1965 و1974، كان مؤهَّلًا ليقترض هذا العنوان من خطاب رابيمانانجارا، وقد أَوْرَدَ بالفعل دينه في فهرس الكتاب. وأُطروحته، بالمناسبة، أنّ «سُرّاق اللغة» هم البطلُ الجماعيُّ للفرنكوفونية الأدبية، وأنّ مُرورهم من لغةٍ إلى أخرى كثيرًا ما يُتيح لهم قَولَ ما يَستعصي على لغتهم الأصلية، فإذا هم قد استولوا على كنزٍ. يَجوب هذا الكتاب الكاريبيَ وإفريقيا والمغربَ والكيبيك وبلجيكا وسويسرا، لترسيخ سؤالٍ واحد: هل الأدبُ الفرنكوفوني أدبٌ فرنسيّ؟ وبذلك تكون الجملة الملغاشية المُلقاة في روما، في سياق المؤتمرُ الدولي الأول للكُتّاب والفنانين السود الدورة الثانية 1959، قد عَبَرت، على الأقل، محطّتين فرنسيّتين: جوبير 2006، ثم ماثيو جوب 2022. غير أن الأول يتميّز بكونه دَرَّس في مدغشقر تسعَ سنوات، وهي البلد نفسه الذي خرجت منه جملةُ رابيمانانجارا، أي أن التقاطُه للجملة كان ثَمَرةَ سياقٍ مُباشر.
يدخل ميشال شنايدر قائمة ديون «سُرّاق اللغة»: منه يأتي العنوان، والعتبات، ومنه يلوح طرفٌ من الإطار النظريّ للكتاب. لكن كيليطو لا يَكتفي بأن يَدين لشنايدر، وإنما يَستضيفه في نصٍّ خارج مَداره الفرنسي، ويُجلسه على مائدةٍ يَحضرها جواكان دو بِلاي، وجاك رابيمانانجارا، ومارتين ماثيو جوب، وإيمي سيزير، وسليمان بَشير ديان، ومحمَّد ديب، وكاتب ياسين، وراجا راو، وعثمان سَمبين، وأحمد الصفريوي، وابن رشيق القَيرواني، وأندري ميكيل، وأوجين إيبودي. إنها ضيافة مضادّة للسرقة، يؤدّي بها كيليطو حقَّ صنعةٍ أصيلة عند القدماء. وبهذا الالتحام بين القول والفعل، يَستوي «مؤتمر سُرّاق اللغة» نصًّا مُضاعَفًا: يتحرّى ملكية اللغة في الكتابة الفرنكوفونية الإفريقية، ويُمارس في بنائه أخلاقَ الاقتراض المُعلَن، ذلك أنّ اللغة، في جوهرها، عصيّةٌ على الامتلاك النهائيّ، ولا تُورَث إلا بين أيدي مستضيفيها ولصوصها الشرفاء.
