(تشير هنا بلا شك إلى "الأدب والغرابة"... بعد مضي ثلاثين سنة على إنجازه، لم أعد أرى إلا ما فيه عيوب، وأبرزها أنني تحدثت فيه أحيانا كأستاذ، كعالم يلقي درسا، وفي هذا تبجح وقلة ذوق. حاولت تصحيح ذلك في كتبي اللاحقة والتخلص جهد المستطاع من الطابع الأكاديمي، وهو أمر ليس بالهين، لا سيما وأن العديد من القراء يحترمون الأساتذة ويرتاحون لكلامهم...)
* تتوقف دائما أمام المرآة عندما تقرأ الآخرين، وعندما تكتب. يمكننا أن نصنف "أنبئوني بالرؤيا"، الكتاب الأحدث لك، بأنه لعبة مرايا. من أين هذا الولع بالمرآة، وكيف اتخذتها كسند إبداعي وثقافي؟
- إنه ولع أدبي وأسطوري. من المعلوم أن هناك انجذابا نحو المرآة ونفورا منها في آن، التحقق من وجود الذات والخوف من فقدانها، فقد يتعرض المرء للغرق في صورته، وقد يحدث أن لا تعكس المرآة وجهه، وخير مثال يذكره المحللون في هذا المضمار شريط قديم عنوانه "طالب براغ"، حيث يبيع البطل روحه للشيطان، وعندما يعود إلى بيته يقترب من المرآة فلا يبصر فيها شيئا. امحت صورته، اختفى وجهه... الصورة الغائبة في هذه الحالة تعادل الموت، ذلك ما تعرضه بصفة جلية قصة "لو هورلا" لموباسان، وهو كاتب لا تخلو رواياته وقصصه من سحر المرآة، سواء أتعلق الأمر بأزمة نفسية أم بتدرج في السلم الاجتماعي، فالانتقال من وضع إلى آخر يصاحبه دائما عنده نظر في المرآة، أو وصف مكان يتضمنها، أو إشارة إليها. ترتبط المرآة أيضا بموضوعة القرين أو الضعف، كأن تلتقي بشخص يشبهك في ملامحه أو يتقاسم معك اسمك... وفي الأفلام البوليسية، ما أن يصور شخص أمام مرآة إلا ويتوقع المشاهد خطرا ما يحدق به ويتهدده. ولا شك أن القارئ سيجد صدى لكل هذا في كتاباتي، فمثلا تخيلت في "الكتابة والتناسخ" شخصا ينظر إلى صورته في غدير، وإذا بالتيار يجرفها فجأة ويتركه بدون وجه...
* نقرأ مباشرة بعد العنوان: "سموني إسماعيل"، ثم الاقتباس: "هكذا يبدو مظهر شخص يقرأ: مظهر لا أحد"، ما الغرض من هذه العتبة للوهلة الأولى؟
- لا ينتبه القراء دائما إلى الاقتباسات التي توجد في مدخل الكتب، والحال أن المقصود منها تكثيف المعنى ومنح القارئ مفتاحا لولوج عالم الرواية أو المحاولة النقدية. اعتبار القارئ شخصا مظهره مظهر لا أحد، كما أورده الكاتب الألماني بوطو شتراوس، له صدى في "سموني إسماعيل"، أولى كلمات رواية "موبي ديك" للكاتب الأمريكي هيرمان ميلفيل. من الملاحظ أن السارد يقول: سموني إسماعيل، ولم يقل اسمي إسماعيل... فكأنه يعلن: لا أحمل اسم إسماعيل، ليس بالضرورة، ومع ذلك لنقل إنه اسمي، ما دام ينبغي أن يكون لي اسم، لنتفق إن شئتم على ذلك، دون تدقيق في الأمر... وبما أن ليس له اسم معلوم، فهو لا أحد. لكن "لا أحد" قد يتحول إلى اسم، ولو مؤقتا. ألم يجب عوليس، بطل "الأوديسا"، عن سؤال حول هويته، في مناسبة معروفة: "اسمي لا أحد"... وهذا على وجه التقريب ما حاولت صياغته في "أنبئوني بالرؤيا": ليس للبطل وللبطلة اسم يقيني قار ونهائي، هذا في حالة ما إذا كان هناك بطل واحد وبطلة واحدة.
* "هبطت ببضاعتي الشرقية، سندباد دون جدارة، لأن السندباد البحري عندما يطأ بلادا غريبة بعد غرق مركبه، يكون عاريا ومعوزا تماما، رجل القطيعة، فلا بد له من أن يبدأ من الصفر، يعيد خلق نفسه وخلق العالم... كنت بالأحرى السندباد البري، حمال بائس ينوء تحت ثقل تراث منفصم انفصاما واضحا عن العالم الحديث". هل هي سخرية مبطنة من الذين لا يفهمون قيمة التراث، أم هي دعوة للاقتداء بالسندباد؟
- قصة السندباد، كما أفهمها أحيانا، تجسد موقفا من التراث. فمن جهة هناك السندباد الحمال الذي لا يفارق بغداد وحرفته "حمل أثقال الناس على رأسه". ومن جهة هناك السندباد البحري الذي يفارق بغداد ويرحل إلى بلدان بعيدة ويعيش مغامرات عجيبة. بأي سندباد سيقتدي القارئ؟ المثير أن البحر يلقي بالسندباد البحري في شواطئ يصلها خاوي الوفاض لا يملك شيئا، يفقد في البحر ما ورثه عن أبيه، يضيع منه تراثه، فيعمل بجهده وعزيمته على اكتساب ثروة جديدة، ثم يعود في الأخير إلى بغداد. التراث في نهاية الأمر هو ما نتعلمه من الآخرين ("أثقال الناس")، ما ننوء بحمله في كل وقت وحين... بهذا المعنى، السندباد الحمال والسندباد البحري صورتان لشخصية واحدة، شخصية مزدوجة، وقد يقول البعض إنه رمز للإنسان العربي.
* لعل حضور النافذة أقرب إلى آلة فوتوغرافية تتحول إلى سرير للتداعي النفسي يكشف سوداوية شخصية "آدا، عايدة.." الواقفة أمام نافذتها. الصمت والإضمار وتحاشي المواجهة بالتأمل نحو السماء، قاد إلى سوء تفاهم مع "آدا" وأصبح منظر الشخص في النافذة المقابلة أكثر وخزا لها حين رأت كرسيا صغيرا خلف نافذته. هناك ارتباك ووخز وهروب إلى السماء...، لعلها مقومات رولان بارط في جمالية الصورة الفوتوغرافية، كيف يمكن أن نلم هذا الزعم من جديد، تعريفا للصورة والنافذة؟. ثم ماذا عن تقويض الشكل، سرد فوتوغرافي عبر نافذة؟
- عندما تبصر شخصا في نافذة فكأنك تنظر إلى لوحة فنية أو صورة فوتوغرافية. المهم في النافذة هو إطارها، يبدو من بداخلها سجينا، بينما هو في الواقع سجين أوهام وتصورات من يكون في الخارج. موضوعة القرب والبعد: تكشف النافذة وفي الوقت نفسه تحفظ وتحمي، ومن هنا ارتباطها بالسر، بما هو خاص وحميمي. تطرقت إلى هذا على الخصوص في "أنبئوني بالرؤيا"، وفي نص عنوانه "من شرفة ابن رشد".
* يقترن حضور المرأة في نصوص كيليطو بالذنب، بالمسافة والعودة، يقترن كذلك بالكتمان وسوء الفهم إلى درجة انفلات الأفعال واتخاذ القرار بالمكوث في البيت واختزال الصلة مع الغير. ما سر هذه العلاقة؟
- صورة المرأة في "أنبئوني بالرؤيا"، وربما أيضا في "بحث"، رهينة بنظرة الرجل إليها، وما يميزه عدم الثقة في نفسه والتوجس خيفة من الآخرين. كيف يمكنك أن تحب الناس إذا كنت لا تحب نفسك ؟ وهذا ما يفسر سوء التفاهم الدائم وما يصاحبه من فرص ضائعة. ولكن الأدب يتغذى بالفرص الضائعة، أليس كذلك؟ ألا يتغذى أيضا بالغرابة في السلوك وفي النظرة إلى الأشياء؟ وفي هذا الصدد لاحظ الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي أن أسلوب "أنبئوني بالرؤيا" يذكر بأسلوب ألبير كامو في "الغريب". ينبني هذا الرأي على عدة اعتبارات، ومن ضمنها ربما قصر الجمل، وأيضا كون البطل غريبا عن محيطه، بل حتى عن نفسه، أينما حل وارتحل يحس باختلافه، بعدم قدرته على الاندماج.
* بين ثنائية الحياة والموت منطقة ثالثة، تطرقت لها من خلال رواية خوان غويتيسولو "برزخ". هذا الحد الفاصل كيف يتسلل إليه كيليطو؟ بطريقة ابن عربي أم كافكا الذي رأيته متخصصا في الانتظار الأخروي، أم أن الأمر يتعلق بتقويض لهذه الثنائية؟
- لا أعرف كاتبا انشغل بالموت بالدرجة التي نجدها عند أبي العلاء المعري، فجل وقته ومجمل تفكيره انتظار وترقب للحظة الأخيرة، واستعداد لاستقبالها. تجد هذا في كل بيت من "اللزوميات"، ديوان لا يتحدث في نهاية الأمر إلا عن الموت والفناء. وطبعا كان لا بد أن يؤلف "رسالة الغفران"... ما تسميه التخصص في الانتظار الأخروي يؤدي إلي تخيل الآخرة ووصفها, كما هو الحال في "أوديسا" هوميروس، وفي "الكوميديا الإلهية" لدانتي، و"كتاب التوهم" للمحاسبي، وفي إحدى منامات أبي سعيد الوهراني. تتجلى في هذه المؤلفات وفي غيرها حدود الذهن البشري وعجزه عن تصور الآخرة، فلا تبدو والحالة هذه إلا كانعكاس للحياة الدنيا، فيظل الناس "هناك" كما كانوا "هنا"، بمزاجهم وطباعهم وانفعالاتهم.
* عزمت أن تصير "كاتبا في النطاق الدقيق الذي صمم فيه دون كيخوطي أن يصير فارسا جوالا"، وهكذا بغية نحت صور خيالية تنتقل من نقد النص إلى تأويل اللفظ إلى التحليل النفسي، انتهاء بالهذيان اللغوي. هل تكون الغرابة كمفهوم نقدي ذروة الجنون وتقويضا للعقل كذلك؟
- ما أكثر المجانين في الروايات وما أكثر من تسكنهم (بالمعنى الحرفي) فكرة أو صورة أو اعتقاد. هل تعرف بطلا روائيا عاقلا؟ إن وجد فسيكون مملا تمجه النفس. أحب كثيرا عنوانا لنجيب محفوظ، "همس الجنون"، ولعله أجمل وأبلغ تعريف للأدب، أو لقسم مهم منه. ولعلة ما فإن الشاعر العربي القديم كان دائما مرفوقا بتابع من الجن...
* بالإضافة إلى عشق القراءة في السرير... "من المستحيل قراءة كتاب به ملحوظات في الحواشي أو تكون زوايا صفحاته مطوية، وكتاب مستعمل يبدو دنسا". هل كل أصناف الكتب عند كيليطو تحتاج قانون قراءة؟
- لي كما لغيري بعض الطقوس والشعائر في القراءة والكتابة، فمثلا لا أكتب إلا في الصباح، ولا أقرأ قبل النوم إلا كتبا باللغة الفرنسية.
* أسلوبك شبيه بالتحري البوليسي، الاهتمام بالمهمل من القرائن. ما الذي يثيرك في الروايات البوليسية وقد أبديت في سياق سابق اهتمامك بها؟
- لا حظ بورخيس أن الرواية البوليسية خلقت قارئا من نوع خاص، قارئا مرتابا، يتشكك في نوايا المؤلف، وخلال تحريه يبحث عن القرائن وينكب على الآثار ويتأمل ملامح الوجه ويراقب الحركات ويتربص بما قد يصدر عن الأشخاص من أقوال وفلتات لسان. البحث عن الحقيقة بحث عن معنى يخفيه النص بكل عناية. واللافت للانتباه أن الرواية البوليسية تأسست أو تركزت بالتزامن مع فلسفة الارتياب، وعلى الأخص كتابات نيتشه وفرويد. لم يعد الكاتب محل ثقة، ولا يطمئن القارئ إلى أقواله، لاعتقاد راسخ لديه بأن النص لا محالة يخفي سرا دفينا.
* في الأدب والارتياب استناداً إلى مقولة الجاحظ "ينبغي لمن يكتب كتابا أن لا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء". ما مساحة الكاتب والقارئ داخلك؟ هل يتعاديان أم يتصالحان؟
- بناء على ما أتينا على ذكره الآن، القارئ عدو الكاتب، قول لا يخلو من صحة، إلا أنه لا يستقيم تماما إلا عندما يغدو القارئ أيضا عدو نفسه، فينسلخ ولو بصفة جزئية عن ذاته، عن عاداته وتقاليده، عن قراءاته السابقة، عن أفق انتظاره.
* تكتب كثيرا ولا تنشر إلا ما هو ضروري، كما تقول، بل وتمزق ما يبدو عرضيا، تحت أي قاعدة يتحدد عندك ما هو ضروري للنشر؟
- ما ينبغي تأكيده أن الكتب التي نشرتها لم تكتمل إلا عندما حذفـت منها فقرات وصفحات بل فصولا. وخلافا لما نعتقد لأول وهلة، ليس الحذف نقصا، بل زيادة، إضافة، إنه عملية بناءة وضرورية. حياة الكتابة في إتلافها، إنها دوما كتابة بالمحو، جزئيا على الأقل.
* تقول إنه من الصعب حاليا الحديث عن رواية عربية أو حتى شعر عربي. على أي أساس أصدرت هذا الحكم؟
- ولى على ما يبدو عهد الآداب الوطنية ودخلنا، كما تنبأ بذلك الشاعر جوته، عهد الأدب العالمي. بدأ انخراط الأدب العربي في الأدب العالمي في أواسط القرن التاسع عشر، وبالضبط مع أحمد فارس الشدياق. معايير الكتابة والقراءة صارت عالمية، يتقاسمها الأدباء في سائر أرجاء المعمور.
* نسمة تهب/ حر قائظ/ صرخات طيور... جمل صغيرة مثل هذه أصبحت إحساسا بنسمة ندية تمر، خلاص غير منتظر. وإذ بمبتذلات تكتسب وقتذاك دلالة كونية. لماذا تمجيد الشذرة ضد الكل؟ ألا يبدو سابقا لأوانه في بيئة تنحاز فيها ثقافة الأغلبية دائما إلى التماسك ووحدة المضمون واتصاله؟
- لاحظ الشاعر فاليري أن بودلير يجيد على الخصوص بداية قصائده، الأبيات الأولى، يقول عنها فاليري إنها "هدية من الآلهة". هذا ما يعبر عنه أيضا بالإلهام، كلمات، جمل مفاجئة، شذرات تكون منطلقا لأبيات، لقصيدة. وتجدر الإشارة إلى أنني، لضرورة فنية، قمت بإنشاء قصيدتين أو ثلاثة في "أنبئوني بالرؤيا"، مع العلم أنني لست بشاعر ولا أتوق على الإطلاق إلى هذا الصفة، فلا يتعدى الأمر تمرينا اقتضاه السياق وكون البطل يقدم نفسه كشاعر. للأبيات التي كتبتها علاقة بمضمون الرواية، ولا أهمية لها إن انتزعت من سياقها.
* في شهادته حول نصوص كيليطو يقول عبد الكبير الخطيبي: إن كيليطو يعرف كل موضوعة من هذه الموضوعات، الأدب، النوع، النص، تاريخ الأدب، السرد... بانتباه محترز، وبطريقة تدريجية. إلا أنه انتباه مصحوب بنوع من المكر النادر في النقد الأدبي" ما هو الانطباع الذي تركته هذه الشهادة في حق كيليطو، وكيف هي علاقتك بالجامعة وأنت أكاديمي تترك شجرة النص دون منهج في متناول رياح الافتراض؟
- تشير هنا بلا شك إلى "الأدب والغرابة"... بعد مضي ثلاثين سنة على إنجازه، لم أعد أرى إلا ما فيه عيوب، وأبرزها أنني تحدثت فيه أحيانا كأستاذ، كعالم يلقي درسا، وفي هذا تبجح وقلة ذوق. حاولت تصحيح ذلك في كتبي اللاحقة والتخلص جهد المستطاع من الطابع الأكاديمي، وهو أمر ليس بالهين، لا سيما وأن العديد من القراء يحترمون الأساتذة ويرتاحون لكلامهم...
* الكاتب في اعتقادك يشكل في ثقافتنا مصدر ريبة، بل الكاتب نفسه يعتبر حضوره محل ريبة؟ هل هي خصوصية عربية فقط؟
- لا ينبغي أن ننسى أن الكاتب سليل الساحر والكاهن، وفي هذا مكمن ما قد يثيره في بعض الأحيان من إعجاب وريبة.
