الهامش بأسره صفقة

مرة، قال محمد عابد الجابري، إن أحسن شيء تفعله وزارة الثقافة المغربية، هو أنها لا تتدخل في الثقافة بتاتا. هذا تصريح مفكر ومثقف لا يمكن أن نسحب منه قدره الوافر من القصد السديد والنقد الصريح، لا محاباة فيه ولا تضليل. نعم، وزارة الثقافة لا علاقة لها بالثقافة.
من المعروف أن الوزارة تمتد جغرافيا في جهات البلاد، عبر مندوبيات وملحقات رسمية، تتكفل بالإنابة تجسيد مذكرات الوزارة على الواقع قدر المستطاع، وبحكم هذه العلاقة الإدارية، تحاك تقارير جرت العادة أن ننعت بها جزافا أي مشهد على أنه ثقافي. ولمن يتعامى، معتقدا أن أي فعل ثقافي يتوقف على مباركة الوزارة أو اتحاد كتاب المغرب أو بيت الشعر وهلم جر... فليجرب أن يتنازل عن فعلته الثقافية، وليوقع الشعراء والكتاب دواوينهم في الساحات العمومية مباشرة دون حاجة لملصقات أو دعوات، توفيرا للمال العام!
الكتاب والمبدعون الشباب في المغرب يتشردون، لا أحد يهتم بهم، لا من يدعم أفكارهم، ولا فضاءات لقراءة أشعارهم الفتية، ولا مسارح ولا سينمات ولا منشورات ولا صحافة... علينا أن نقر أن لا مكان للهوايات الإبداعية، وأن ننصح اي يافع بالإبتعاد عن ميولاته الفنية من البداية تفاديا للسقوط في فخ الوزارة ومنظماتنا الثقافية الجافة.
دائما يراودني مشهد، فيما يشبه حلم يقظة، أن أناسا يتوافدون نحو الساحة العامة وسط المدينة، لا يهتفون ولا يتكلمون، فقط يحتشدون في كامل صمتهم، ولا أعرف ما خطبهم لكنهم في أهبة الإستعداد لأي فعل غير متوقع، أخالهم سكان كوكب آخر، أفواههم مفتوحة على رهانات أكبر مما نتخيل، إنهم الهامشيون.
هناك مشكلة في هذا الطرح تبدو المعادلة وفقها غير متوازنة، فالسؤال الذي يبقى بلا إجابة حين تطرح اي فكرة ثورية أو تمردية بمعنى من المعاني، هو كيف؟ فقد نقول، ولنا كامل الحق في ذلك، هل بإمكان هذا الهامش أن يقرأ وأن يصير القارئ الأول للإبداع المحلي وهو بالكاد يتقاتل مع معيشته اليومية؟ إن هذا النوع من الأسئلة لا يخفى على وزارة الثقافة، فنحن نعرف أنها تهتم "بالعصاميين" في المدن والبوادي وتطبع دواوينهم سواء في الشعر العامي أو غيره من "الإبداعات المحلية" الغارقة في المدح والإطناب اللغوي، ورغم ذلك تسميه التقارير كما سلف مشهدا ثقافيا، لأنه ويا للعجب يلقى رواجا محليا عن غير قصد، أو أن المحلية ماركة مسجلة ذات إقبال، ويمكننا هنا، إذا ما نظرنا من زاوية ما نحلم به أن نتصور حجم الرواج في حالة إتاحة الفرصة لإبداع عميق ينفذ إلى ضلوع المدينة والثخوم المتروكة، فيغيير الصورة النمطية لجدوى أن يكون المرء مبدعا أو كاتبا.
إن الدولة هنا حين ترى أن هناك من ينتج أفكارا وإبداعا من ورائها، دونما حاجة لأنشطتها ومقرراتها الثقافية، ستكون مضطرة للتفاوض حول اقتسام هذا القارئ الهامشي. أوليست صفقة/ صفعة ثقافية..