ترقد الموسيقى داخل الصمت كثيرا

يقول أنسي الحاج في إحدى مقالاته الصحفية إن في كتابات جبران خليل جبران ما يشعرك "بسخونة أعصابه وإشعاع عينيه" كما "يسحقنا صوتٌ آتٍ دوماً من علياء الوحي ومن عرش الحقيقة... كالمبالغة في الوعظ والأمثال والكناية و الإستعارة والمجاز..." الأخبار عدد السبت ١٥ أيار ٢٠١٠
يُفهم من المقارنة أن في داخل جبران أكثر من أسلوب واحد، أسلوب عاطفي ينثره بلا حسابات لغوية أو وجدانية مطلقة، وآخر لم ينفلت من الوعظية والتوجيه مما أضفى عليه خاصية التنويم.
النصح بالشيء ليس كالتحريض عليه، النصيحة تحيلك على التقديس ومجاملة المنصوح للناصح، التحريض يرغمك على الإقتناع.
يذكر خليل جبران في "الموسيقى" أنه حين يجلس مستمعا ومصغيا لحديثها لا ينبس ببنت شفة، يشعر حينها أن صوتا يهتز في قلبه، يفصل ذاته عن ذاته، وتطير روحه إلى فضاء لا حد له، فيرى الكون حلما والجسد سجنا ضيقا. وفي أحيان أخرى تتكون "أصوات محزنة تسمعها فتستوقفك و تملأ أضلعك لوعة و تمثل لك الشقاء كالأشباح".
الشعور بالألم حسب (آرثر شوبنهاور) يتخذ أشكالا عديدة، في أحداث جزئية لا حصر لها، فقد يشعر الإنسان بالألم النفسي والجسمي نتيجة مرض ألمّ به، وقد يشعر بالألم نتيجة لمجهود شاق مضنٍ، أو لفقدان شيء عزيز لديه... والموسيقى عندما تعبّر عن الألم أو المعاناة فإنها لا تعبر عن أيٍّ من هذه الحالات الجزئية السالفة، ولكنها تعبر عن الشعور المشترك فيها جميعا، أي عن الألم نفسه.
لا أشباح داخل الموسيقى أو خارجها، بل في جفاف مواضيعها، في خواء الميلودي والهارموني.
يقتل الشقاء الأشباح متحالفا مع موسيقى مستوعبة، موسيقى لا تسكر ولا تطرب، بل تحرض و تحرِّر، وتبني ضلوعك من جديد… لكن كيف؟
يدغدغك الإشباع الموسيقي، ويبهجك مانحا إياك كل اللحظات. يحدث أحيانا شبه التآم بالصمت، ودون فكرة مسبقة تنهال عليك متتاليات الفراغ، تلتحم حزينة أو سعيدة، وكثيرا ما لا تلتحم وترفض أن تشكل شيئا. الصمت دافع لنشوء المشاعر. ترقد الموسيقى داخل الصمت كثيرا.