غربة المجتمع المدني في المغرب

الحديث عن المجتمع المدني ليس في حاجة لمزيد من الإثبات النظري والفلسفي. إذ ما يضفي على المفاهيم قوة تأصيلية هو جانبها الواقعي. وبصرف النظر عن نسبية المفاهيم، فإن تاريخ مفهوم المجتمع المدني هو تاريخ تحولاته، وفق فلسفات عديدة، رافقت العالم بدأَ من المجتمع اللاتيني في ساحة" الأغورا "كمجتمع مدني واقعي، يعبر الفرد فيه عن أفكاره وتساؤلاته على مرأى الجميع.. إلى حين ظهور المجتمع الصناعي، الذي كرس نمطا جديدا في علاقات الأفراد بالمجتمع والدولة، قامت على السيطرة والاحتواء. مما جعل فلاسفة التنوير فيما بعد، يأتون ويتوجهون لمجتمع مضاد للدولة العمودية والإقطاعية المستندة على الحق الإلهي والاكليروس، نحو دولة القانون والمؤسسات و العقد الاجتماعي المنظم لعلاقات الدولة بالمجتمع، في ظل الحرية والمساواة والإرادة العامة، كدعامة ضرورية للتعاقد الحر بين الأفراد خارج الدولة ومجال الأسرة، أي في إطار معادلة علائقية، لا تستقر إلا بالحسم في طبيعة وشروط التواصل الممكن بين الدولة والمجتمع المدني، كمجال للتنافس و الهيمنة الاديولوجية.
و على هذا الأساس المركب من الفكر السياسي والأحوال الجديدة للعالم المتغير، أصبحت المنظمات المدنية في العقدين الأخيرين وسائط للتنمية، توجهها وتدعمها المؤسسات الاقتصادية والمالية العالمية، التي هيأت المجال لنمو القطاع الخاص، وتقليص الدور الاقتصادي و الخدماتي للدولة، لصالح منظمات مدنية جديدة، اعتبرت محورا رئيسا لحقوق الإنسان، تطمح إلى تحسين ظروف المعيشة، والحفاظ على مصالح وحقوق المجتمع. وقد سجل هذا من خلال هيئات وجمعيات تنموية وحقوقية انخرطت في إستراتيجية التوصيات الناتجة عن المؤتمرات الدولية في مطلع التسعينات، حول البيئة وحقوق الإنسان والمرأة والتنمية... في زمن ما بعد المنظومة الاشتراكية، الذي أفرز تحولات دولية وإقليمية تصاعد معها الاهتمام بالمجتمع المدني في البرامج الاقتصادية والتنموية، المتطلعة لتفعيل المشاركة المجتمعية عبر منظمات مدنية، أصبحت عنصرا مركزيا في مجال التنمية الشاملة والمستدامة. وهو نفس الشعار الذي حمله المغرب حيث أصبح المجتمع المدني من أبرز التعبيرات في الخطاب السياسي الرسمي وغير الرسمي في ظل مجال مجتمعي يخرج عن السيطرة والتحكم في أمنه وسلامة مواطنيه.
هل نتحدث إذن عن إعجاب بمفهوم المجتمع المدني، لما يحققه من مرونة ودينامية مجتمعية.. أم نحن أمام استعمالية تتوخى إعادة تنميط العلاقة بين الدولة والمجتمع، اعتمادا على تبيئة تخطط لتناغمات سياسية وثقافية، يبقى السؤال في رهاناتها وفاعليتها في مسار البناء الديمقراطي قائما، ما لم يتم تعميق النقد الذاتي و مساءلة البنى السياسية والاقتصادية والثقافية لنفسها.
مساءلة من شأنها أن تحرر وسائل الإنتاج، وتسد ثغرات الخوصصة لصالح تكتلات مدنية مستقلة بذاتها عن الدولة والعشيرة القبلية والسياسية. مما يعني إخراج المجتمع المدني من غربته الاقتصادية والثقافية، التي حالت دون تحقق الإيمان الموحد بالمصير الواحد، أي تحقق مواطنة خلاقة، منفصلة عن التركيبة الموروثة من الولاءات والقرابات، وعن الانتماء الجزئي للوطن الذي تمثله الجماعات الدينية المتشائمة من استيعاب نظام المجتمع المدني، وتعتبره نمطا منافسا لنظمها الدينية، العاجزة حاليا عن طرح أداة تحليلية وتحويلية لفهم بنية المجتمع اقتصاديا واجتماعيا.
ولعل التصاعد السريع لخطاب المجتمع المدني، يرجع كذلك إلى تنامي التيارات الأصولية، إلى جانب تلك التأثيرات التي أفرزتها المؤسسات العالمية المانحة، والداعية لحراسة الاقتصاد الليبرالي العالمي من أي خطر أو نمط يهدده. لذا فهي لا تمنح دولة لا تبارك ولا ترضى عن هذا الشرط المستند على تبنن معين للمجتمع، واحتوائه بآلية الإغراء المادي.. أنتج عندنا كما هائلا من "الجمعيات" آمنت وجدانيا أن بعض برامج التنمية كمحو الأمية، هو تأسيس كتاتيب جديدة للحفظ والاطمئنان. مما يعني إخفاق مقررات التنمية التابعة للدولة والداعي للسؤال: هل هناك فعلا إرادة تنموية تعوض العجز الدال على نسبية تحقق مجتمع مدني تحققا كاملا، تتكون به ذاكرة مدنية و مستقبلية.
وإذ تبدو ملامح هذا التحقق نسبية ومتوترة، يتداخل فيها السياسي بالمدني، بالإضافة للصدمات التدبيرية في توجيه الاقتصاد الوطني.. فإن الحاجة إلى مجتمع مدني حقيقي هي الصيغة الديمقراطية لتنظيم المجتمع وبلورة أفكاره وطموحاته التنموية عبر المشاركة الفعلية والشعبية، وعن طريق فعل سياسي يبرز وعي الأفراد بقضاياهم واختياراتهم، في تناغم وتفاعل تتسع عبره القاعدة الاجتماعية والتمثيل السياسي، كبديل عن العدمية السلبية والفلكلورالإنتخابي العابر.