"القوس والفراشة" رواية الخسارات تربح البوكر

عن روايته "القوس والفراشة" فاز الشاعر والروائي المغربي محمد الأشعري، بجائزة البوكر للرواية العربية في دورتها الرابعة، مناصفة مع الروائية السعودية رجاء عالم عن روايتها "طوق الحمام" بعد منافسة روائية لكل من ميرال الطحاوي وخالد البري من مصر، و أمير تاج السر من السودان، و بنسالم حميش من المغرب. وقد شكل لجنة تحكيم هذه الدورة، كل من: الناقد والشاعر العراقي فاضل العزاوي والناقدة البحرينية منيرة الفاضل، والكاتب الأردني أمجد ناصر، والناقد المغربي سعيد يقطين، والناقدة الإيطالية ايزابيلا كاميرا دافليتو.
"القوس والفراشة" لمحمد الأشعري المتوجة بالبوكر العربي، مناصفة، صدرت عن المركز الثقافي العربي، وتقع في 333 صفحة من الحجم المتوسط. يرصد المؤلف في متنها، مصير ثلاث أجيال من أسرة تدعى "الفرسيوي". محمد الجد، العائد لاسترجاع ذاكرة انتماءه الأمازيغي، يتحول إلى مرشد سياحي أعمى في ما تركه الخراب بأسوار مدينة "وليلي"، عاد رفقة زوجته من مسافات العزلة والغربة بألمانيا، التي لم يغريه الاستقرار بأمكنتها، لا شغفه الشعري بهوردلن ولا كنوز الشعر الألماني.
يمثل الجيل الثاني يوسف الفرسيوي، الذي عاش بدوره فترة في ألمانيا، ليقرر أخيرا العودة إلى المغرب مكتويا بتجربة سياسية يسارية، كتب خلالها مقالات يعبر فيها عن انتماء مرير ومتمرد بأدبيات الفكر الاشتراكي، سيقضي بسببها سنوات في سجن "القنيطرة". يوسف البطل الدرامي الفاقد لحاسة الشم يؤمن أن الأشياء التي تقتحم خواشيمه دون إذن هي نفسها التي تفرض عليه تخزين روائح أبدية.. الذاكرة عنده رائحة صلبة ومصيرية، تجعله وحيدا ومعزولا وسط حقيقة منفصمة، الأولى: عودة من أجل تقصٍ جديد وغامض بعدما اعتقد لسنوات أن والده كان وراء مقتل والدته الألمانية "ديوتيما" التي قيل عنها أنها انتحرت بلا أمل في تحقق ذاكرتها الجنسية. والثانية: تفاصيل حب مستحيل ومجنون لا يعثر عليه في داخله، حب العودة نحو الآتي، أو تضاد التطابق والشك في الخيانة كيقين متعدد في امرأة واحدة:
" ... وقد فاجأني هذا التطابق، كما فاجأني بشكل أكثر إثارة ويأسا، إدراكي بما لا يدع مجالا للشك، بأنني وخلافا ما توقعت، لن أحبها أبدا... كنت أعتبرها قدما يخزني باستمرار، ويجعلني دائم الإحساس بالخسارة." ص: 18
تستمر الخسارة في انطفاء بطيء عبر فصول "القوس والفراشة". ياسين الجيل الثالث في آل "الفرسيوي"، يختار إقامة أبدية في العجز، واختصار الحياة في السفر إلى أفغانستان، كي يلقى موته دون أجوبة عن إرادة البقاء. نهاية حارقة لذاكرة العائد كي يستقر، لم تستوعبها أسرة "الفرسيوي" فظلت تتساءل مسجلة عبر انهياراتها، سيرة الخراب الدائري لتاريخ المغرب الحديث.
فقدٌ لانهائي يرصده الروائي المغربي محمد الأشعري في روايته، لتدوين ذاكرة الخوف، بمثن سردي يسائل تنكرا أشكال الخراب السياسي والاقتصادي في بنية المجتمع المغربي. ماذا فعلت أسرة الفرسيوي حتى خمدت هكذا، ومن الذي يستطيع أن يحول موت الذاكرة إلى إعادة قتلها..؟ أسئلة يائسة اكتوى بها المؤلف في تجربته السياسية، ينتقد بها مغرب الحاضر، المنتمي لسلالة الخوف والقلق، متأملا في الخسارة و" العجز الذي يتبقى فينا من عجزنا عن فعل ما كان يجب فعله" ص: 69
معادلة أجيال مكتوية بأزمنتها، تعيشها فصول الراوية الأطروحة " القوس والفراشة" يسائل فيها الأشعري خراب الذاكرة ونبوءاتها المستقبلية بما يحيطها من مواضيع السلطة والمجتمع في علاقات قلقة. ما الذي يتبقى غير الزمن المقامر على رغبة الحياة، رغبة أفق آخر يصطدم بطموح وطن برمته وسيبقى جريحا ما لم تحلق الفراشة.