مفهوم الحرية عند عبد الله العروي: أي تمثل نريد؟

تعد الحرية الكلمة الأولى الأكثر ذيوعا في وسائط الإعلام المتعددة في العالم، "شعار الحرية" الكلمة المفتاح لانتقاد كل ما يحدث في الحكومات، وهي التيرمومتر الأساسي لقياس مستويات النماء والديموقراطية ، بل تكون أحيانا المرآة التي عبرها يمكن إلقاء نظرة على تاريخ بلد ما. لعل كلمة حرية كما يقول عبد الله العروي "أكثر كلمات القاموس السياسي استعمالا عند عرب اليوم، حتى الكلمات التي تنافسها في الذيوع، كاستقلال، وديمقراطية، وتنمية، تستعمل في الغالب مرادفة لها بحيث لا نكاد نجدها إلا ملتصقة بها وموضحة لها" كيف استعار العرب مفهوم الحرية وكيف يتصورها؟ وهل ثمتلها يفك أزمة المجتمعات العربية؟ أسئلة كثيرة تفرض نفسها بالضرورة عند أي مقاربة للحرية داخل البيئة العربية.
يصاحب كل تمثل للحرية والمطالبة بها مبررات تحددها الجماعة من خلال برنامجها الإديولوجي، وهو ما حدث في ترقي مفهوم الليبرالية داخل منظومة التفكير الغربي، إذ تعدد واختلاف مبررات المطالبة بالحرية ومصوغاتها تغيرت وتطورت عبر مراحل تبريرية معينة، بدأ بفلاسفة النهضة ثم ليبرالية القرن الثامن عشر التي واجهت الإقطاع والحكم المطلق، وصولا إلى ليبرالية القرن التاسع عشر المنتقدة للدولة العصرية المهيمنة على الأفراد والجماعات، أي مفهوم الدولة الذي خلفته الثورة الفرنسية. وأيضا دولة المؤسسات أو الشركة التي تتحكم في حياة الناس وتصادر مبادرة الفرد.
من هنا يبدو أن مفهوم الحرية ليس مفهوما جاهزا، بل يتبدل حسب سياقات نظرية وسياسية واقتصادية. وعليه فإن أي استنتاج يقول بتأثر المفكرين العرب بالفكر الليبرالي الغربي يجب في البداية أن يحدد عن أي ليبرالية يتحدث عنها كما يتساءل العروي في معرض حديثه عن الليبرالية والحرية في تحققها الغربي.
ليس المراد من سرد هذه الملاحظات هو الخوض فيها من زاوية نظر فلسفية فالبحث الفلسفي الذي يتناول الحرية قد يكون بلا جدوى وعقيما في حال ما لم يحقق حرية واقعية وحياتية ملموسة، يعيشها المواطن في حياته اليومية في علاقته بالآخر كفرد وكمؤسسة. مع الإشارة أنه لا يمكن أن نبخس على كل حال قدرة المفاهيم في تحريض الذهن وتقويمه مفاهيميا، حتى يتيسر التقريب بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والعمل.
يقول هيجل: "إن الدولة في الشرق تتميز بحرية مطلقة لفرد واحد، وعبودية مطلقة لمن سواه" إننا كأفراد داخل المجتمع إما أن نتحرر أو نخضع، وتحقق الحرية يقاس بمن هو أقل خضوعا، ويمكن القول أيضا أن مستويات النماء في أي دولة تقاس نتائجه بحضور الحرية أو ضمورها، فقد يصعب إن لم نقل يستحيل أن تتوقع تجربة حياة تعمها الحرية، دون ثمتل وتصور فردي لها. وكون بلد كالمغرب مثلا الذي لازال يعاني من نسبة الأمية في درجاتها القصوى لشيء يجعل أكثر الأفراد يفتقرون إلى تلك القدرة على التعامل مع الآخر وفهمه واستيعابه وبالتالي الدخول معه في تعاقد مجتمعي قائم على الحق والقانون أي على الحرية. كما أن الحرمان من الخدمات الصحية في مجتمع الفقر يقلص من حريته، سببان كافيان لإبعاد الفرد عن الدولة وعن المجتمع، وتمة هوة كبيرة بين التنظيم السياسي الذي لا يستشير الفرد إلا في استفتاءات يكون المطلوب من الفرد فيها إما بقول نعم أو لا، هذا السلب الذي يطال حرية الفرد السياسية يضعف مبادرته ومشاركته ويجهز على حياته اليومية، وتجعله في أسفل السلم الإجتماعي الذي يتشكل عندنا من الأقل حرية وينتهي إلى الأكثر قدرة على التصرف.
وهكذا يخلص عبد الله العروي إلى أن التساؤل عن الحرية في عمقه هو تساؤل عن الدولة والمجتمع والفرد، ومهما تعددت الشعارات التي يقول بها كل طرف، تبقى عملية استيعاب وتعميق الوعي بقضايا الحرية هي منبع الحرية نفسها. وهنا لا بد من طرح سؤال محوري: هل يمكن للدولة العربية أن تقبل تمثلات الحرية داخل مجتمعها؟
في التاريخ العربي الإسلامي استطاع الفقه أن يجزء المجتمع إلى أحرار ورقيق، الأحرار ينقسمون إلى أكفاء ومحجورين، والأكفاء إلى رجال ونساء، والرجال إلى حكام ومحكومين، توجد المرأة في الدرجة السفلى والحاكم في الدرجة العليا وهو بالضرورة ذكر حر بالغ وعاقل. يعلق العروي على هذا التقسيم بوصفه سلما اجتماعيا مبررا من خلال التشريع الديني كي يصنف من هو اكثر حرية ومن هو اقل.
يذكر العروي كذلك أن الفقه يربط مفهوم الحرية بمفهوم المروءة، إذ لا تكتمل إنسانية الفرد إلا بالتكليف، أي عندما يصبح راشدا، فتسري عليه الأوامر السماوية.. لذلك يستطيع الطفل والمعتوه التصرف بكامل الحرية لعدم تكليفهما. غير أن إنسانيتهما تظل غير مكتملة.
الفقه أيضا يقول عن حالة المراة والعبد أنها نقصان في العقل، ولذلك يقلص الدين من حدود مسؤوليتهما. وهنا تبين أن هناك ترابطا بين الحرية والعقل والتكليف، وهي محددات نصية مبررة شرعا، ولهذا السبب كان علماء الدين ينظرون إلى كلمة حرية عند الغرب على أنها تسقط حقوق الإنسانية، ذلك أن الانسان لما خلقه الله كرمه وشرفه.
يتضح مما سبق أن المجتمع العربي الإسلامي كان لا يفهم الحرية كما أصلتها أوربا، وعلى ما يبدو ليس فقط على مستوى الكتابات الفقهية فقط، بل نجد كلمة "حرية" في اللسان العربي تأخذ معاني مختلفة ومتعددة تجعلها غير مرادفة للمعنى الغربي. فالحرة في اللسان العربي تعني الكريمة، كما استعملت مشتقات اللفظ في سياقات أخرى نجدها في القرآن كـ "تحرير رقبة " والحر أيضا هو المعفي من الضريبة، كما استعمل الصوفية المعنى دلالة على الكشف وقطع جميع العلائق.
وإذا كنا نعتقد أن تمة خدمة تسديها اللغة للفقه دائما، فلا عجب أن نجد معنى " الحرية" سواء في مدلوله الفقهي أو اللغوي يتعارض تماما مع لفظ " الحرية" كما هو عند الغرب، وعليه تكون الكلمة ترجمة اصطلاحية لكلمة أوروبية يتم استعار مفاهيمها العصرية بدون أي ارتباط بجذرها اللغوي العربي يقول العروي.
مفهوم الحرية إذا الذي يتوخاه الفقه يدور حول الفرد وعلاقته بنفسه وخالقه وأخيه في الإنسانية، فهي علاقة أخلاقية يحددها الشرع. أما الحرية كما تصورها غرب القرن التاسع عشر بأوربا والذي ورثناه بمضامينه، فيدور حول الفرد الإجتماعي المشارك والمنخرط في المجالات الإنتاجية، وهو التصور الليبرالي الذي نجده مختفيا في الاستعمال الإسلامي التقليدي، الذي لم يكن يشجع الفرد ويعبئه بتطلعات وإمكانات مستقبلية، رغم أن البيئة العربية التقليدية كانت تعيش نوعا من التوازن في حياة البداوة والعشيرة والدولة والفرد. حيث تمثل البداوة كما يحددها عبد الله العروي "حرية الأصل السابقة للدولة، وتمثل العشيرة المحافظة على بعض حرية التصرف داخل الدولة، ويستطيع الفرد أن يلجأ إلى التصوف الذي يخرجه نهائيا عن مجال السلطان". ويمكننا أن نستنتج أن هذا التوازن لم يكن باستطاعته الاستمرار في الزمن العربي الإسلامي، فأصيب بالخلل لما أصيب التدبير الديني بالعجز وعدم القدرة على استيعاب مستجدات الواقع العربي الجديد في ظل التحولات العالمية الجديدة. اختلطت البداوة بالمدينة وانفردت العشيرة بالثروات واللعبة الانتخابية بينما الفرد استبدل التصوف الذي يحقق عزلته الاجتماعية والسياسية بخيارات أخرى لعل التطرف والاجرام أحد أبرز سماتها.
غير أن مجال الحرية في التاريخ العربي الاسلامي وفي التاريخ الحديث المعاصر مهما أصابه من ضيق واختناق في الحريات، ازدادت معه بحدة نداءات الحرية، ونمى الوعي بها وهي مفقودة، وأصبحت الجماعات والمؤسسات المدنية والاعلامية تقلق الحكومات العربية التي لا تدخر جهدا في إقبار أي صوت معادي لها، تقفل الصحف والمدونات لحد الآن، وفي نفس الوقت لا ترفض الدول العربية أن تقطن داخلها مراكز ومنظمات حقوقية وثقافية وتمارس نشاطاتها بل الدولة نفسها ترفع شعارات حقوقية كل مناسبة، تفتح النقاشات في ندوات ومؤتمرات وداخل النقابات حول الحرية وحقوق الإنسان. يستهزئ العامل بالتحليل النظري والمفكر يسخر من رجال السياسة والإقتصاد ويضخم تناقضات الحرية عند الممارسة. كل جهة تمتلك وتبرر نظرتها للحرية بشكل أحادي وهو ما يضعف حظوظ تحققها ويسهل النقد على أعدائها الصرحاء منهم والمقنعين كما يخلص إلى ذلك عبد الله العروي نفسه. مضيفا في السياق ذاته " أن المهم في قضية الحرية هو أن تبقى دائما موضوع نقاش، بوصفها نابعة عن ضرورة حياتية، لا بوصفها تساؤلا أكاديميا" ضرورة الحرية التي تحرر الصانع من الاحتكارات والمرأة من العادات البالية والتلميذ من المناهج التعليمية القديمة، والذهن من الخرافات، والأدب من الأساليب القديمة... وكل دعوة تشير إلى حاجز تريد رفعه باسم الحق والقانون. هكذا يتسع مفهوم الحرية عند عبد الله العروي ليشمل كل ميادين النشاط الإنساني، وكم نحن في حاجة شديدة في ظل ما نعيشه إلى رد الاعتبار لمفهوم الفرد المالك لحياته وبدنه وذهنه وعمله، وهكذا يتعاقد مع باقي الأفراد في ظل دولة الحق والقانون واحترام الحريات، حتى يمكن للفرد أن يشكل المجتمع باختياره ومبادرته وإنتاجه.