يوميات فقدان الذاكرة.. بيروت شتاء 2010

الفقدان الأول: مجهول يقاتل حب السيدة لم يكن الوصول إلى المكان البعيد والأعلى سوى رؤية ما لم أعتقد.. كيف رأيتها تقاومني وأقاومها، هي فوق الجبل وكنت أسفلها خائفا من تصديقها، شيء خاص بي وحدي أن أسيطر على حبها مرتعدا فوق قلعة..
أصدقاء رائعون رأيتهم يقاومون في سبعة أيام كي يرجعوا إلى عالم أشيائهم.. في اللحظة الأولى، لحظة الوصول الأخيرة، وسط فندق لا وزن له لأنه معلق في الهواء، احتوانا وكنا نحصّنه بعدائيتنا للصمت والهدوء الحقيقي.
في اليوم الأول عند الوصول، في فندق جونيا/ حريصة بيت عانيا، كان المساء أكبر من الرحلة، كلنا رفضنا اللعب يوم الوصول، وعن طيب خاطر ننادي الأسِرَّة أو نقدم الدخان كي نكسب ود الكنبات الحمراء والصفراء، لا شك أني فكرت في مشروع متواضع يتعلق بكسب حب الإسفنج أو التآمر معه ضدي. بات لزاما عليّ حينها أن أصبح متعددا، ومن ثمة بطيء اللعب أو مشغولا في جلب الود بكل سرعة و خاطر.. كان يحدث هذا في اليوم الأول قبل نوم السيدة.

الفقدان الثاني: الإختفاء داخل المربعات ربما سبق لي أن قلت لصديقي علي السومري، ونحن في مساء اليوم الثاني بعدما كان قد طلب مني أن أبدي رأيي في الشكل الفني للملحق الثقافي لجريدة الصباح العراقية. وقبل أن ندخل في الحديث حول جدوى الأشكال والفضاء وحدود المعقول في اختيار مساحة أو شكل دون آخر، قلت له : إن شكل هاته الغرف في فندق بيت عانيا أقرب إلى المربع، وسألته بعدها إن كان يحب المربعات. علي خريج أكاديمية الفنون لم تفته فرصة التأمل والتفكير في الأمر. المربع لا يتكلم ويرغمنا على الصمت. في أوطيل بيت عانيا كنا ننام في المربعات، المراحيض مربعة، الماء الساخن مربع، الأكل بما فيه الموز.. كل شيء كان مربعا..
وحدها الألمازا كانت باستطاعتها تعطيل الأشكال، فهي على الأرجح تتحالف معنا ضد غرفنا.. لكن هل استطاعت تحقيق ذلك تماما؟.. بيروت هي مكان الإتصال لا محالة، اتصال الحائر بما يرى، فكرت في نسيان الأشكال قبل رؤيتها كي أتذكرها، وغالبا ما كان يخيل لي أنني لم ألمس بيروت. في اليوم الثاني تحديدا 18/02/2010 وبكل أنانية تمنيت لو أن الجميع فكر في اطفاء التلفزيون الرمادي، والبحث عن إمكانية الإنقسام إلى مجموعة واحدة، مجموعة تشكل الرأس وأخرى اليدين، فيما الباقي ينتشر في الجسد، ومنا من عليه أن يصير أجنحة.. ثمثال سيدة لبنان بالتأكين لم يتشكل هكذا، اكتشفت ذلك عن طريق الوهم، إذ خيل لي في ساعات متأخرة أن الرخام لا علاقة له بما نشكله..
في شرفة الغرفة المحاذية للثمثال قالت لي السيدة: أنا امرأة عادية، لا أعرف ما أمنحه، تشكلت هنا عالية ووحيدة. يريد العالم مني أن أصنع الحب..
تمنيت لو أني شديد السكر حتى يمكنني أن أعترف للسيدة، فكلامها الشبيه بالصلاة أخافني، وقد أرغمني صمتها الحريري الطويل على الإختفاء داخل المربع ذا الوسادة المكعبة بأحلام العابرين. تمنيت أيضا لو أني قلت للسيدة أنها مدللة جدا، وأنا المدلل المستيقظ حينها.. هي لا تسقط وأنا أسقط وأنهض كل مرة، فكرت أن أكذب على السيدة في اليوم التالي غير أن فكرة الكذب على قلوب غير مربعة مسألة مستحيلة. نحن اعتدنا على المربعات ونتوهم صدقها وهي كاذبة..
قال لي علي السومري بعد حديثنا عن مدى مصداقية الأشكال وتوزيعها على صفحات الجريدة، أنه اكتشف أنه يكره المربع طيلة حياته لكنه لم يكن ينتبه.. وقرر أنه سوف يحارب أي صورة مربعة في ملحقه الثقافي. في الصباح ونحن نتناول الفطور، انتبهت للموائد الدائرية الحمراء، لكن الأكل بقي مربعا ونحن نتناوله.