في أبيندا الداخل كالخارج..

في بداية هذا الصيف وخلاله، تستيقظ العرائش ثقافيا، معلنة سطوع الشمس فوق الأطلسي، بعدما تكون قد خبأتها غمامة السياسة الجافة.
هذا الصيف ككل مرة، ربما، يخرج الأطفال يمارسون حقهم في تكوين ذاكرة مع الأرصفة منذ نعومة أظافرهم، كيما يحرموا من لذة الحكايا والنوسطالجيا مستقبلا.
ولعل الضمانة المستمرة للإنتماء السليم والآمن كشرط مواطنة، أن يكون الإنتساب للمكان ثقافيا وجماليا ولا يقتصر على الجغرافيا. وهو على ما يبدو ما تحاول الدولة والسلطة تكريسه من خلال رعايتها وتبنيها للثقافة والشؤون الإبداعية، عبر سلسلة شراكات لا تعد ولا تحصى تقوم بها مع نفسها، في غياب مؤسسات ثقافية تمتلك فرادتها وبرامجها البديلة التي من شأنها استثمار وتدبير الشأن الثقافي في البلاد السعيدة.
العرائش لها ذاكرتها الجمالية بالتأكيد، فلقد كان لها مسرحها وسينماها، وكانت مكتفية وقانعة بما لديها من مبدعين وفنانين، كما كانت لها حدائق مملوءة بالنوار في كل شارع وحومة، وعلى أبواب البيوت أشجار «الآرانج» دليل حب انتماء قوي لمدينة السبعينيات بامتياز. إلى أن جاءت الصاعقة، حب العرائش تآكل بتآكل جسدها، اختفت احتياطات مواجهة الفاجعة فتناسلت وتوالت كبركان. هناك مدن في العالم يقال عنها أن الكوارث الطبيعية تهلكها، وما نرجوه أن تكون فاجعة مشروع التهيئة نتيجة حادث قدري بريء، فالعرائش حاليا لا يتحمل بدنها اعتداءات الهندسة الإرهابية التي نفذت منذ عام.
مشروع التهيئة الذي طالما حلمت به العرائش كان بإمكانه أن يرمم ما أصابه الهلاك في السنين الأخيرة، عوض تحقق الحلم مسخ كابوسا في حضرة غول كبير أراد أن يجعل أرصفتنا معرضا لأنواع الصفائح الإسمنتية.. وفي الحقيقة هو معرض لأنواع الخراب لا غير، إذا صدقناه نكون ضحايا للسحر والإطمئنان الرسمي الذي هو خيانة انتماء.
معروف أن قبح مدينة يقلص من اشتهائها. وقد اختفت من العرائش حدائق وأشجار ومسخت أرضها اختفى المسرح والسينما. فئة كبيرة من الساكنة أصبحت تعرف في طيات نفسها أنها غير ملزمة بما يحدث خارج أبواب بيوتها من بينهم بيوت المسؤولين بدون شك، وهم نبع الهلاك المخيم على العرائش.. عشت ما عشت ولم أتوقع فكرة أن يقتل أحد مدينة بأكملها.. قد يقولها عجوز في نهاية العمر. لا مساحات مخضرة تزين المنظر وتخضر من حلاوتها العين.. على رسلك أيها العجوز ها هم يتحدثون عن ابتلاء ثقافي معمم قد ينمو من فرطه «القوق» من تلقاء نفسه.
هذا الصيف مرة أخرى يخرج الأطفال إلى المدينة، يقفزون ويركضون ويتسلقون ويغنون. في الصيف تكثر الأفراح والأنشطة، في وطن النشاط، ترى الأطفال في سينما أفيندا أمام مسرحية إلى جانب الكبار في نشاط ثقافي حكومي يحتفي أويحتفل -لافرق- للمسرح في مدينة ليس فيها مكان محترم لفعله. لغز محير يجعلنا نشك في جدية الأمور الثقافية وأفقها القريب في مدينة متصلة بالعالم وتنخرها الجريمة كل مرة. لغز مسرحي لا يفك شفراته بالعرائش، لا صاحب أبيندا ولا شعارات الدولة. بل واحدة من إثنتين: بناية مستقلة نسميها مسرحا، أو قبر كبير تدفن فيه غرائزنا وأطيافنا المسرحية. الأولى مكتسب قديم أسقطته الدولة، واسترجاعه بمثابة تحرير العرائش فنيا وثقافيا. أما الثانية فتخلصنا من أوهام الإبداع المكلفة، أي لا ضرورة أن تنغرس في أحد شوكة المسرح ما دامت ستصاب بالإعوجاج في مستودع الأفلام الهندية أبيندا.